بعد مرورأكثر من عام على الاتفاق الذي رعته إدارة ترمب لإنهاء الحرب في قطاع غزة، لا يزال الغزيون ينتظرون "اليوم التالي" للحرب، بما يعنيه من إعادة إعمار وقيادة فلسطينية جديدة تتولى إدارة شؤون القطاع في وقت، بدأ كثيرون يفكرون في الهجرة والبحث عن مستقبل في مكان آخر.

ويبحث كثير من الغزيين عن فرصة للمغادرة طلباً للأمان والعمل والتعليم، بينما يتمسك آخرون ممن خرجوا خلال الحرب بأمل العودة. ولا يبدو الرحيل عند كثيرين منهم قراراً نهائياً، فبعضهم يراه محطة موقتة، وآخرون لم يحسموا بعد كم سيطول غيابهم.

ونقلت "رويترز"، في تقرير نشرته مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2026، عن أرقام السلطة الفلسطينية أن أكثر من 100 ألف غزي ممن غادروا خلال الحرب لا يزالون في الخارج، في حين عاد نحو سبعة آلاف فقط.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن من بقي في الخارج اختار البقاء، فكثيرون يتحدثون عن صعوبة الرجوع، كما أن كثيرين داخل القطاع لم يجدوا طريقاً للخروج أصلاً.

رحيل لا يعني الاستقرار الدائم

في مارس (آذار) 2025، أجرت جمعية "غالوب الدولية" استطلاعاً شمل 532 بالغاً في غزة. قال 38 في المئة من المشاركين إنهم سيغادرون موقتاً إذا أتيحت لهم الفرصة، مقابل 14 في المئة اختاروا المغادرة الدائمة، و4 في المئة فضّلوا إرسال أفراد من أسرهم إلى الخارج، فيما قال 39 في المئة إنهم باقون في القطاع. أي أن نحو ثلاثة أرباع الراغبين في الرحيل يريدونه موقتاً.

وفي مايو (أيار) من العام نفسه، أظهر استطلاع للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أن 43 في المئة من المشاركين في غزة مستعدون للهجرة بعد انتهاء الحرب، مقابل 56 في المئة غير مستعدين لذلك. وطُرح السؤال على خلفية دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى نقل السكان ريثما يُعاد بناء القطاع، من دون تحديد ما إذا كانت الهجرة المقصودة موقتة أم دائمة.

أما استطلاع "الباروميتر العربي"، الذي جُمعت بياناته في أكتوبر 2025 ونُشر تقريره الخاص بغزة في يونيو (حزيران) 2026، فجاءت نتائجه أقرب إلى البقاء. إذ قال 54 في المئة إنهم وأفراد أسرهم لن يغادروا حتى لو أتيحت لهم الفرصة، مقابل 33 في المئة قالوا إنهم سيغادرون مع أسرهم، و7 في المئة سيغادرون بمفردهم، و6 في المئة قالوا إن أفراداً آخرين من الأسرة سيغادرون.

وفي مايو 2026، نشرت "جيروزاليم بوست" نتائج مسح أجراه منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق، وأفاد بأن نحو 80 في المئة من المشاركين أرادوا الحصول على معلومات عن الانتقال إلى دولة ثالثة عبر معبري رفح وكرم أبو سالم. غير أن المسح لم يتضمن سؤالاً مباشراً عن نية الهجرة الدائمة.

الأمان والعمل والتعليم

وتصدّر البحث عن بيئة أكثر أماناً دوافع المغادرة في استطلاع "غالوب الدولية" بنسبة 79 في المئة. وتلاه مستقبل أفضل للأسرة (76 في المئة)، ثم فرص العمل (74 في المئة) والتعليم (62 في المئة). وكان الشباب دون الـ34 وسكان مدينة غزة وخان يونس الأكثر ميلاً إلى الرحيل.

وبحسب منظمة العمل الدولية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ متوسط البطالة في غزة نحو 79.7 في المئة خلال العام الأول من الحرب، فيما انكمش الناتج المحلي للقطاع بنسبة 84.7 في المئة.

غير أن التفكير في الهجرة سبق الحرب. ففي استطلاع لـ"الباروميتر العربي" أُجري داخل غزة قبيل السابع من أكتوبر 2023 ونُشر في يونيو 2024، قال 31 في المئة إنهم يفكرون في الهجرة. وذكر 54 في المئة من هؤلاء أسباباً اقتصادية، و18 في المئة فرص التعليم.

منحة تنتظر طريقا للمغادرة

وعند الطلبة، ترتبط المغادرة بهدف واضح. فسلوى أبو الحاج (23 عاماً)، من مخيم المغازي، حصلت على منحة ماجستير في الاتصال من جامعة لوفين البلجيكية. لكنها كانت لا تزال تعيش في خيمة بانتظار طريق إلى جامعتها حين تحدثت إلى موقع “EUobserver” في أغسطس (آب) 2026.

وسلوى واحدة من 13 طالباً ينتظرون الالتحاق بجامعات بلجيكية، فيما تقول الخارجية البلجيكية إن الخروج من غزة هو العقبة الأساسية.

أما الطبيب أحمد أبو جامع، الحاصل على منحة ماجستير في أنتويرب، فيربط دراسته بخبرة يريد أن يعود بها ليسهم في إعادة بناء القطاع الصحي في غزة.

الإعمار أولاً

ورغم ذلك، يبقى إعادة الإعمار في صدارة ما يطلبه السكان. ففي استطلاع "الباروميتر العربي"، اختار 44 في المئة من المشاركين في غزة الدعم المادي لإعادة الإعمار بوصفه الدور الذي يريدونه من المجتمع الدولي. وفي المقابل، طالب 12 في المئة بتسهيل المرور الآمن واللجوء إلى دول أوروبية، و6 في المئة إلى دول عربية.

فمن يحتاج إلى العلاج أو الدراسة أو لقاء أسرته يريد طريقاً مفتوحاً للخروج، ومن بقي يريد أن يستعيد حياته داخل القطاع. أما من غادر، فعودته مرهونة بأمان ومسكن ومصدر رزق، وبمعبر يسمح له بالرجوع.