بعد أكثر من سنتين على الحرب والتصعيد في المنطقة، لا تزال مدينة القدس تبحث عن شيء من رونقها السابق وهدوئها الخاص، بوصفها مدينة حاضرة في وجدان أتباع الديانات الثلاث، ومركزًا دينيًا وروحيًا لا تنفصل فيه الحياة اليومية عن المناسبات الكبرى.

ومرّ رأس السنة الهجرية هذا العام في المسجد الأقصى بأجواء هادئة ومنظمة، ليعيد إلى المقدسيين شيئًا من المشهد المعتاد الذي افتقدته المدينة خلال فترات طويلة من التوتر والقلق.

وشهد المسجد الأقصى مشاركة مصلين في الصلوات والابتهالات والمدائح النبوية داخل باحاته والمصلى القبلي، دون تسجيل حوادث غير عادية أو تعطيل واضح لسير الفعاليات الدينية.

وجرت الفعاليات وسط ترتيبات تنظيمية للأوقاف الاسلامية داخل المسجد ساهمت في توجيه المصلين وتنظيم الحركة في الساحات والمصليات، بما سمح بمرور المناسبة في أجواء دينية هادئة.

وكانت مواقع التواصل الاجتماعي قد شهدت قبل المناسبة تداول تحذيرات وشائعات بشأن احتمال تشديد الإجراءات أو حدوث اضطرابات في محيط المسجد، غير أن تلك التحذيرات لم تنعكس تلك على مستوى إقبال المقدسيين وفلسطينيي الداخل على الحضور.

ولم تعلن دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس رقمًا رسميًا لعدد المشاركين في إحياء رأس السنة الهجرية هذا العام، إلا أن صورًا ومقاطع متداولة أظهرت حضورًا واسعًا داخل المصلى القبلي وباحات المسجد.

وتحظى المناسبات الدينية في المسجد الأقصى بحساسية خاصة لدى المقدسيين، ليس فقط من زاويتها الدينية، بل أيضًا بسبب ارتباطها بالحياة اليومية في البلدة القديمة، حيث تنعكس حركة المصلين والزوار على السكان والتجار وأصحاب المحال.

ورأى مصلون أن مرور المناسبة بهدوء كان أمرًا مهمًا، لأنه منح العائلات فرصة للمشاركة في الأجواء الدينية دون خوف من اضطراب أو إغلاق مفاجئ، وأعاد شيئًا من الطابع الروحي الذي تتميز به المدينة في مثل هذه الأيام.

كما ساهم توافد المصلين في تحريك بعض الأزقة القريبة من المسجد، حيث شهدت محال الحلويات والمطاعم الصغيرة والبسطات حركة محدودة، وإن بقيت دون المستوى الذي يأمله التجار بعد أشهر من الركود وتراجع القدرة الشرائية.

ويقول تجار في البلدة القديمة إن الهدوء الذي رافق المناسبة شكّل عامل ارتياح، حتى لو لم يكن كافيًا لإنعاش الأسواق بشكل كبير، في ظل استمرار الظروف الاقتصادية الصعبة وضعف حركة الزوار القادمين من خارج القدس.

ويرى أصحاب محال أن المناسبات الدينية كانت دائمًا فرصة لإعادة الحياة إلى الأسواق التاريخية، لكن أثرها الاقتصادي تراجع خلال السنوات الأخيرة بفعل الحروب والتوترات وتراجع السياحة الدينية وضعف الإقبال على الشراء.

ومع ذلك، يأمل التجار أن تكون الأجواء الهادئة التي رافقت رأس السنة الهجرية مؤشرًا على إمكانية عودة الحركة تدريجيًا إلى البلدة القديمة خلال المناسبات المقبلة، خصوصًا إذا استمرت الترتيبات التي تسمح بوصول المصلين والزوار دون تعطيل.

وبين البعد الديني للمناسبة والواقع الاقتصادي الصعب في القدس، مرّت رأس السنة الهجرية هذا العام كحدث هادئ ومنظم، أعاد للمصلين أجواء روحانية افتقدوها خلال فترات طويلة، وترك لدى المقدسيين أملًا بأن تبقى المناسبات الدينية المقبلة بعيدة عن التصعيد.