لطالما أثارت مواقف الرئيس التركي "رجب إردوغان" الجدل في الأوساط العربية خلال العشريّة الماضية، فالرئيس التركي يتدخل باستمرار في معظم الملفات الشائكة في المنطقة، حيث كان ومازال من الأوائل الذين تواجدوا على بساط الصراع السوري، كما تدخل في الملف المصري لا سيما بعد 2013 وعزل الإخوان.
وفي السنة الماضية كانت تركيا إحدى أوراق النزاع في ليبيا، غير التدخلات والاعتداءات في العراق، ودول عربية أخرى قد لا تكون تدخلاتها بنفس الحجم، وإن كانت مؤثرة في مشروع حالم لقوة إقليمية تسعى للهيمنة في منطقة تعاني دولها من نزاعات وصراعات وضعف اقتصادي وأزمات سياسية.
نتطرق هنا إلى ظاهرة "مريدو إردوغان"، فلعلك قرأت دفاع مستميت لشخص قد يكون مجهولًا على مواقع التواصل عن "الخليفة إردوغان"، أو سأل أحدهم على مواقع الأسئلة والإجابات "لماذا يحب كثير من العرب إردوغان؟"، أو اطلعت على استطلاع رأي لشبكة البارومتر العربي بمشاركة أكثر من 25 ألفا من سكان 11 دولة عربية في أواخر عام 2018 وحتى ربيع عام 2019، وأظهرت النتائج أن نصف المشاركين في 7 دول عربية يرضون عن سياسات الرئيس التركي تجاه المنطقة، فيما فضل مواطنون في لبنان وليبيا ومصر سياسات الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" على سياسات إردوغان.
وحديثًا، أظهر استطلاع للباروميتر العربي، وهو مبادرة شراكة بين جامعة برنستون وجامعة ميشيغان والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية مع مؤسسات بحثية عربية، أن القائد الإقليمي الذي احتفظ بالشعبية الأكبر هو الرئيس التركي، حيث لا يزال نحو 57% في المغرب، و54% في الأردن، و52% في الجزائر، و41% في تونس، و25% في لبنان، و23% في ليبيا، من المشاركين في الاستطلاع يرون أن إردوغان يمثل قائدًا إقليميًا قويًا، ويتقدم الرئيس التركي على ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، أما المرشد الإيراني فجاء في مؤخرة الترتيب.
ورغم ذلك يعاني الرئيس التركي من أزمات داخلية، حيث الأزمات الاقتصادية الداخلية والفساد، بالإضافة إلى جائحة كورونا، مع تراجع بعض الدول العربية عن استيراد بعض السلع التركية نتيجة للخلافات السياسية، وعدم الرضا عن سياسات تركية التدخلية في سياسات المنطقة.
مريدو إردوغان.. لماذا؟
بدأ النموذج الإردوغاني التركي يُطرح في الأوساط العربية بالتزامن مع احتجاجات وثورات 2011، وقُدمت تركيا حينها كنموذج دولة مسلمة حديثة بقيادة إردوغان، على أنها "النموذج" في وقت سيولة سياسية وبحث هوياتي عن أي دولة تريد دول ثورات 2011.
ويمكن توضيح أسباب استمرار طرح النموذج الإردوغاني في النقاط الآتية:
1. الإسلام السياسي: تدعم تركيا الإسلام السياسي في الدول العربية، وقد مثل التحالف الأكبر بين إردوغان، والإسلام السياسي عام 2013 بعد عزل الرئيس المصري السابق المنتمي لجماعة الإخوان "محمد مرسي"، لكن يبدو أن تلك الأيام يتراجع هذا التحالف ولو بشكل تكتيكي.
2. الخلافة: مازال البعض وإن كان معظمهم من تنظيمات الإسلام السياسي ترى في الخلافة حلم، ولذلك يعتبروا تركيا هي المؤهلة لذلك، فهي مركز الخلافة العثمانية في القرن الفائت، أما إردوغان فقد يمثل الأمل من جديد لإقامة حكم إسلامي رشيد، وحتى من يرى أن الخلافة لن تكون بشكلها القديم في هذا العصر، يتحدثون عن نموذج تركي متفوق في القضايا الخارجية.
3. إسرائيل: ما زالت كراهية إسرائيل، حتى مع تغيرات المنطقة، واتفاقيات السلام الجديدة، تكسب "إردوغان" مريدين له، وإن كانت تركيا واقعيًا ليس لها أي خلاف جوهري مع تل أبيب.
4. القوة الإردوغانية: لا تمثل القوة الإردوغانية في كاريزما شخصية الرئيس التركي، لكنها ربما تكون في تحركاته في المنطقة، حيث تتواجد القوة السياسية والعسكرية التركية، وتلعب أنقرة بكل الأوراق مع روسيا وإيران والولايات المتحدة، وحتى مع إسرائيل بحثًا عن مصالحها.
5. شكل النظام السياسي التركي:
- منذ وصول إردوغان إلى السلطة عام 2002، وحتى 2011، وقد استطاع إردوغان وحزبه في صعود الاقتصاد، وبعد ذلك بدأ إردوغان يفكر في السيطرة على الحكم لسنوات، فغير شكل النظام السياسي ليبقى موجود على رأس السلطة لسنوات.
- استطاع أردوغان وحزبه إنهاء السيطرة العسكرية، خاصة بعد الانقلاب عام 2016، والذي يشكك فيه البعض، لأنه أعطى الرئيس التركي صلاحيات سياسية وحرية حركة لم تكن متوقعة.
6. الهجرة والحياة الآمنة: فتحت تركيا الباب أمام الهجرة والسفر إليها دون صعوبات كبيرة، ولدى تركيا ملايين من مواطنين عرب على رأسهم السوريين والمصريين والليبيين واليمنيين، كما تستضيف تركيا الآلاف من الطلاب العرب، وذلك بعد إلغاء الحكومة التركية تأشيرات الدخول لكثير من مواطني الدول العربية.
7. الثقافة: تستثمر تركيا في الإنتاج الثقافي الذي يحيي الخلافة العثمانية، وتظهر الدراما التركية نماذج تاريخية بشكل مبهر يشاهده العالم العربي بكثافة، بل ربما تكون تلك الدراما هي حديث رجل الشارع في الكثير من الدول العربية.
المصالحة المُنتظرة:
يبدو أن عودة العلاقات التركية المصرية تقترب، ولدى أنقرة الاستعداد للتجاوب مع دول عربية أخرى، ورغم أن الخلافات بين مصر وتركيا بها أمور جوهرية، لكن يبدو أن هناك ظروف إقليمية ودولية تساعد في تقليل حدة العلاقات، وإن كان من غير الواضح حتى الآن كيف تعالج مصر وتركيا، أو تركيا ودول عربية أخرى التحركات التركية في المنطقة العربية، خاصة في ليبيا وسوريا والعراق، إلا أن ذلك قد يقلل من مريدي إردوغان في الدول العربية، خاصة مع رؤية مقاربة علاقة الإسلام السياسي بتركيا، إذا حلت كل الخلافات بين العرب وتركيا.









