كتب الصحفي أحمد عيادي
امتلكت إسرائيل منذ نشأتها موردًا رمزيًا وسياسيًا هائلًا بنت عليه سرديتها أمام العالم: تاريخ الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في أوروبا، والهولوكوست، والحاجة إلى ملاذ آمن، وحق شعب تعرّض للاضطهاد في تقرير مصيره.
لكن الشرعية التاريخية ليست رأسمالًا غير قابل للنفاد.
فالذاكرة قد تفسّر الظروف التي نشأت فيها دولة، لكنها لا تستطيع، بعد ثمانية عقود، أن تبرّر بصورة تلقائية كل ما تفعله هذه الدولة في حاضرها.
والدولة التي تستند في جانب من شرعيتها إلى ظلم تاريخي وقع على جماعة بشرية، تصبح مطالبة، ربما أكثر من غيرها، بألّا تنتج نظامًا يجعل جماعة أخرى تعيش بلا حماية متساوية أمام قوتها.
وإلا تبدأ الدولة في استهلاك رصيد الماضي بدل إعادة إنتاج مبررات وجودها في الحاضر.
وهنا ربما تكمن إحدى أعمق أزمات إسرائيل اليوم.
المشكلة ليست أنها ضعيفة، بل أنها تملك من القوة العسكرية والتكنولوجية والسياسية ما يجعل السؤال عن حدود هذه القوة أكثر إلحاحًا اذ أثبتت إسرائيل أنها تعرف كيف تستخدم القوة.
من الوعد المؤسس إلى أزمة التعريف
قد يبدو غريبًا الحديث عن «أزمة إسرائيل» في وقت تواصل فيه الدولة إظهار تفوق عسكري وتكنولوجي واستخباراتي، وتنفذ عمليات على مسافات بعيدة، وتحافظ، رغم سنوات من الحرب، على اقتصاد متقدم وقدرة كبيرة على تعبئة مجتمعها.
إلا أن الدول لا تدخل أزماتها بالضرورة عندما تضعف.
قد تبدأ الأزمة حين تصبح القوة أكبر من الفكرة التي يُفترض أن تمنحها معناها.
وبهذا المعنى، لا تخوض إسرائيل صراعاتها مع الفلسطينيين وإيران والقوى المسلحة في المنطقة فحسب، بل تواجه أيضًا صراعًا داخليًا حول الوعد الذي بنت عليه صورتها عن نفسها.
نشأت الصهيونية السياسية الحديثة في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، في سياق صعود القوميات الأوروبية واستمرار معاداة السامية، قبل أن تمنح الهولوكوست، بما مثلته من جريمة تاريخية بحق يهود أوروبا، فكرة الملاذ والسيادة اليهودية إلحاحًا غير مسبوق.
وعندما أُعلنت دولة إسرائيل عام 1948، لم تكتف وثيقة إعلانها بتأكيد الطابع اليهودي للدولة، بل تحدثت أيضًا عن المساواة الكاملة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع مواطنيها، وعن حرية الدين والضمير واللغة والتعليم والثقافة، ودعت الفلسطينيين الذين بقوا داخل حدود الدولة الجديدة إلى المشاركة في بنائها على أساس «المواطنة الكاملة والمتساوية».
بعد 78 عامًا، بات هذا الوعد نفسه موضع اختبار.
ففي عام 2018 أقرّ الكنيست «قانون أساس: إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي»، الذي نص على أن ممارسة حق تقرير المصير القومي في الدولة «خاصة بالشعب اليهودي»، وجعل العبرية لغة الدولة ومنح العربية «مكانة خاصة»، واعتبر تطوير الاستيطان اليهودي «قيمة قومية».
الفلسطيني الطبيب ومفارقة الاندماج
تبدو المفارقة واضحة بصورة خاصة في القطاع الصحي الإسرائيلي.
فوفق دراسة للباحثين بروس روزن وسامي معاري حول تمثيل الفلسطينيين في المهن الصحية، شكّل الفلسطينيون في الداخل عام 2023 نحو ربع الأطباء العاملين، و27% من الممرضين وأطباء الأسنان، ونحو نصف الصيادلة تقريبًا.
كما ارتفعت نسبتهم بين الأطباء من نحو 8% عام 2010 إلى 25% في 2023.
باتت المستشفيات واحدة من أكثر المساحات التي يظهر فيها اعتماد المجتمع الإسرائيلي الفعلي على الفلسطينيين في الداخل: طبيب فلسطيني يعالج مريضًا يهوديًا، وممرضة فلسطينية تعمل إلى جانب زملائها اليهود، ومؤسسة لا تستطيع عمليًا الاستغناء عن أحد مكوناتها البشرية.
لكن الأرقام نفسها تكشف جانبًا آخر.
ففي العام الدراسي 2022–2023 لم يشكّل الفلسطينيون في الداخل سوى نحو 9% من طلاب برامج الطب في مؤسسات التعليم العالي الإسرائيلية، وكان 68% من الأطباء الفلسطينيين المرخصين حتى سن 67 قد درسوا الطب خارج إسرائيل.
أي أن جانبًا كبيرًا من هذا الصعود المهني تحقق حول المؤسسة التعليمية الإسرائيلية وليس من خلالها، عبر الدراسة في الخارج ثم العودة إلى سوق العمل.
وهنا تظهر إحدى تناقضات الواقع الإسرائيلي المعاصر.
فالفلسطيني في الداخل لم يعد مجرد قوة عمل هامشية في الاقتصاد، بل أصبح طبيبًا وباحثًا ومحاميًا وأستاذًا وقاضيًا وصاحب مهنة متخصصة. ومع هذا الصعود تظهر بصورة طبيعية مطالب لا تتعلق بالعمل وحده، بل بالمشاركة السياسية والمساواة والاعتراف بالهوية.
فالتعليم لا ينتج موظفين فقط؛ ينتج أفرادًا يسألون عن موقعهم في المجتمع وعن حقهم في تعريف الدولة التي يحملون جنسيتها.
لذلك فالمفارقة ليست، ببساطة، أن إسرائيل تريد الفلسطيني عاملًا ولا تريده طبيبًا.
المفارقة أن مؤسسات إسرائيل الاقتصادية والصحية والعلمية باتت تعتمد أكثر فأكثر على اندماج الفلسطينيين، في الوقت الذي يتحرك فيه جزء متزايد من المجال السياسي نحو تعريف قومي أكثر انغلاقًا.
اقتصاد الاندماج يصطدم بسياسة الهوية.
تظهر هذه الفجوة في «مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي» لعام 2025، إذ بقيت الرغبة في الاندماج والتعايش مرتفعة جدًا بين الفلسطينيين في الداخل، في مقابل ارتفاع نسب داخل المجتمع اليهودي تؤيد الفصل بين المجموعتين أو تشكك في إمكانية الجمع بين الهوية الفلسطينية والانتماء المدني إلى الدولة.
هذه الاتجاهات لا تجعل المجتمع الإسرائيلي كتلة واحدة، إذ ما تزال داخله قوى سياسية ومدنية وأكاديمية تدافع عن المساواة وعن الشراكة الفلسطينية ـ اليهودية.
لكنها تكشف عن تناقض واضح: في الوقت الذي يصبح فيه الفلسطيني أكثر حضورًا داخل مؤسسات الدولة، يزداد القلق لدى قطاعات إسرائيلية من النتائج السياسية والاجتماعية لهذا الحضور.
حين تصبح الهوية نفسها مشكلة أمنية
لسنوات طويلة أمكن للفكر السياسي الإسرائيلي السائد أن يفصل بين صورتين: إسرائيل التي تصف نفسها بالديمقراطية داخل حدود عام 1948، والاحتلال بوصفه وضعًا أمنيًا مؤقتًا يفترض أن ينتهي بتسوية سياسية.
بعد قرابة ستة عقود على احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية عام 1967، أصبح وصف هذا الواقع بالمؤقت أكثر صعوبة.
ففي رأيها الاستشاري الصادر في يوليو/تموز 2024، اعتبرت محكمة العدل الدولية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وخلصت إلى أن سياسة الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية تنتهك القانون الدولي.
رفضت إسرائيل هذه الاستنتاجات، وتمسكت بمواقفها السياسية والأمنية وبأن قضايا الصراع يجب أن تُحل عبر المفاوضات.
فبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، سُجّل منذ بداية عام 2026 وحتى نهاية يوليو/تموز أكثر من 1380 حادثة مرتبطة بالمستوطنين في الضفة الغربية، أثرت في أكثر من 250 تجمعًا فلسطينيًا، فيما نزح أكثر من 2300 فلسطيني خلال الفترة نفسها بسبب عنف المستوطنين والقيود المرتبطة بالوصول إلى الأراضي ومناطق السكن.
وان سلمنا أن الدواعي الأمنية التي تتبناها المؤسسات الإسرائيلية في رسم سياساتها كافية لتفسير الواقع المعاش في الضفة الغربية لكنها لا تمنحها تلقائيًا شرعية غير محدودة.
فالتحول الأخطر يبدأ لا يُنظر للفلسطيني بوصفه إنسانًا يمتلك حقوقًا يمكن أن تتعارض أحيانًا مع متطلبات الأمن، بل تتحول هويته الفلسطينية نفسها إلى قرينة أمنية.
نجحت إسرائيل بدرجة كبيرة في معالجة إحدى المشكلات التي وقفت خلف نشوء المشروع الصهيوني: عجز اليهود، في لحظات تاريخية متعددة، عن حماية أنفسهم واعتمادهم على حكومات ومجتمعات أخرى لضمان أمنهم.
لكن هذا النجاح أنتج سؤالًا لم يكن مطروحًا بالشكل نفسه قبل قرن:
ما الذي يمنع القوة التي نشأت لحماية جماعة تعرضت للاضطهاد من أن تتحول إلى قوة غير مقيدة تجاه جماعة أخرى؟
لا يتعلق الأمر بالمساواة بين تجارب تاريخية مختلفة، ولا يمكن اختزال القضية الفلسطينية في مقارنات مع الهولوكوست.
المسألة أبسط وأكثر جوهرية:
هل يمتلك الإنسان حقوقًا لأنه إنسان، أم أن مقدار الحقوق التي يحصل عليها يتحدد وفق قوميته وموقعه في ميزان القوة؟
بعد 78 عامًا على قيامها، لم تعد المشكلة الأساسية ما إذا كانت الدولة قادرة عسكريًا على البقاء. إسرائيل تمتلك جيشًا قويًا، واقتصادًا متقدمًا، وتكنولوجيا متطورة، وتحالفات دولية واسعة.
لكن لا تستطيع أي دولة أن تعيش إلى الأبد على مبررات لحظة تأسيسها.
لقد أثبتت إسرائيل مرارًا أنها تعرف كيف تنتصر بالقوة.
لكن الامتحان التاريخي الأصعب لا يبدأ عندما تكون الدولة ضعيفة، بل ربما حين تصبح قوية إلى الحد الذي لا يعود فيه أحد قادرًا على وضع حدود لقوتها سوى هي نفسها.









