كتب الصحفي أسامة قدوس
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تعد غزة مجرد ساحة مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، بل تحولت أيضاً إلى ساحة اختبار قاسٍ لمفاهيم قديمة أُعيد تدويرها بكثافة: “الإنجاز”، “التضحية”، “الصمود”، و”النصر”.
في هذه البيئة المشبعة بالشعارات، صار سؤال الكلفة والجدوى فعلاً
شاذاً، وصارت محاولة مساءلة الخيارات السياسية أو العسكرية تُقرأ بسهولة كخيانة
للقضية، أو تكرار لـ“رواية العدو”، أو ترفٍ لا يليق بـ“زمن المعركة”.
لكن ما حدث خلال العامين الأخيرين لا يمكن اختزاله في معركة عسكرية أو
في صراع روايات فقط، لأن الحرب أعادت ترتيب العلاقة بين “الحركة” و”المجتمع”، بين
من يملك قرار التصعيد ومن يدفع ثمنه، وبين خطاب يَعِد بالتحرير وواقع يعيد إنتاج
الهشاشة على نحو أكثر عنفاً.
ومن هنا، تكتسب تصريحات قيادات حماس — في مناسباتها السنوية أو في
مقابلاتها المتكررة — معناها الحقيقي: ليست مجرد تبرير سياسي، بل محاولة لترميم
سردية تهتز كلما اتسعت الفجوة بين اللغة والواقع المُعاش.
حين تصبح “التضحية” تعريفاً للناس لا اختياراً لهم
في خطاب حماس، تُقدَّم الكلفة على أنها قدرٌ متصل بطبيعة الصراع، وأن
ما يدفعه الفلسطينيون ليس “خسارة” بل “ثمن في طريق التحرير”، وأن الثمن — مهما
تضخم — لا ينتقص من “قيمة الإنجاز”. هنا لا تُطرح غزة بوصفها مجتمعاً له حقوق في
الحياة والأمان والحد الأدنى من الاستقرار، بل بوصفها خزّاناً دائماً للتضحيات، أو
“مادة تاريخية” تُستهلك لتثبيت الرواية التي قامت عليها الحركة.
هذه الصيغة تتيح لحماس أن تربح في اللغة والمجاز حتى وان خسرت في
الواقع. فالإنجاز يتحول إلى مفهوم مطاط يمكن تمديده وتوسيعه متى لزم الأمر: انقلاب
في الرأي العام العالمي، “صمود” أمام آلة عسكرية، بقاء التنظيم، استمرار القدرة
على إطلاق الرسائل. لكن المشكلة أن هذه المقاييس لا تسأل عن الناس: ماذا ربحوا هم؟
ما الذي تغيّر في حياتهم؟ وأي مستقبل أصبح ممكناً بعد هذه الكلفة الثقيلة؟
في هذا السياق، جاءت تصريحات القيادي البارز في حركة حماس محمد
نزال في ذكرى التأسيس لتقدّم مثالاً مكثفاً على هذا المنطق الخطابي. فعندما
تحدث عن “إنجازات كبرى” حققتها الحركة، واعتبر أن هذه الإنجازات لا تنتقص من “قيمة
التضحيات” التي دفعها الفلسطينيون، لم يكن بصدد تقييم سياسي بقدر ما كان يعيد
تعريف العلاقة بين الفعل ونتيجته.
ففي هذا الخطاب، لا تعود المعاناة سؤالاً سياسياً قابلاً للنقاش، بل
تتحول إلى عنصر أخلاقي مُحصَّن: التضحيات تُمنح معنىً لاحقاً يبررها، لا يُسأل عن
ضرورتها مسبقاً. وهكذا يُعاد ترتيب الزمن السياسي: لا يُقاس القرار بما أفضى إليه،
بل يُعاد تأويل النتيجة بما يخدم القرار.
وعندما قارن نزال التجربة الفلسطينية بحروب تحرر تاريخية، مشيراً إلى
أن “الاحتلال لا يزول بسرعة”، بدا الزمن هنا أداة تعطيل لا أداة تحليل. فالمقارنة
لا تُستخدم لفحص اختلاف السياقات أو شروط الصراع، بل لتأجيل أي مساءلة عن لماذا
يتحمل المجتمع، مرة بعد أخرى، كلفة خيارات لا يشارك فعلياً في اتخاذها.
فصل القرار عن نتيجته: الاحتلال وحده مسؤول
المعادلة الأكثر تكراراً في الخطاب الحمساوي تقول إن الاحتلال هو سبب
المعاناة، وبالتالي فإن الحركة لا تتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأمور. وهذه صيغة
تبدو للوهلة الأولى بديهية، لكنها عملياً تعطل أي نقاش حول الخيارات: لأن الاعتراف
بمسؤولية الاحتلال لا يلغي مسؤولية الفاعل المحلي عن قراره السياسي والعسكري، ولا
يلغي حق المجتمع في مساءلة من يتخذ القرار باسمه ويجبره على دفع الثمن.
في أي تجربة تحرر وطني، تبقى المقاومة مشروعة، وقد تكون واجباً
تاريخياً. لكن مشروعيتها لا تعني إعفاءها من السياسة: من حساب التوازنات، ومن
قراءة نتائج الفعل، ومن مراجعة الاستراتيجية، ومن الاعتراف بالفشل عندما يحدث. غير
أن خطاب “الاحتلال وحده” لا يعترف بالخطأ أصلاً، وبالتالي لا يفتح باباً للمراجعة،
بل يطلب من المجتمع أن يعيش داخل دائرة مغلقة: التصعيد ثم العقاب ثم التبرير، دون
أفق سياسي يخرج الناس من حالة “الانتظار” الدائمة.
الاحتفال المؤجل: مفارقة الأمن والمعنى
حتى حين تتجنب الحركة الاحتفالات أو الاستعراضات العسكرية في ذكرى
التأسيس بسبب الظرف أمني صعب، فإن ذلك لا يُقرأ كتواضع سياسي بقدر ما يكشف مفارقة
أعمق: الحديث عن “سلامة الناس” يتحول إلى جملة إنشائية منفصلة عن الوقائع التي
يعيشونها. فالأمن، في الواقع، ليس مجرد قرار بعدم إقامة مهرجان، بل منظومة كاملة
من الخيارات: كيف يدار القطاع؟ كيف تُحمى حياة المدنيين؟ كيف تُوزَّع المساعدات؟
كيف تُتخذ قرارات الحرب والسلم؟
هنا تتبدى عقدة غزة: المقاومة حين تصبح سلطة تتغير شروط مشروعيتها. لم
يعد السؤال: هل تقاوم أم لا؟ بل: كيف تقاوم؟ ومن يحاسبك؟ وما حدود استخدام المجتمع
كوسيلة لا كغاية؟ وأي معنى لـ“الكرامة” حين تكون الحياة اليومية ذاتها مهددة على
نحو محزن؟
الانتخابات كفكرة… لا كنظام
من أكثر المفارقات رواجاً في خطاب حماس التلويح بالانتخابات كحلٍّ عند
اشتداد الانتقاد. لا بوصفها مساراً سياسياً متكاملاً، بل بوصفها “حجة” تُستدعى
لإبطال ما يقال عن المزاج العام. لكن الانتخابات ليست شعاراً يُقال ثم يُترك؛ هي
بنية: حرية تنظيم، إعلام، معارضة، تداول سلطة، وضمانات تمنع تحويل الدولة أو
الحركة إلى ملكية مغلقة.
وفي ظل غياب نظام سياسي فعلي قابل للمحاسبة في غزة، تصبح دعوات
“الاحتكام للشعب” أقرب إلى إجراء خطابي: استعمال لفظ “الديمقراطية” لتجميل سلطة لا
تريد اختباراً حقيقياً لشرعيتها، أو لفتح نقاش علني حول ما جرى، وما يمكن أن يحدث
لاحقاً.
من “التحرير” إلى “البقاء”: ما الذي يدافع عنه الخطاب؟
التحول الأخطر في السنوات الأخيرة ليس فقط في طبيعة الحرب ومداها، بل
في طبيعة الغاية التي يدافع عنها الخطاب المتداول. فبينما كانت حماس تُعرّف نفسها
تاريخياً كمشروع تحرر، يبدو أن سرديتها الحديثة تدور أكثر فأكثر حول “البقاء”:
بقاء التنظيم، بقاء القدرة على المبادرة، بقاء التحكم في تعريف النصر والهزيمة.
ومع كل اتساع للفجوة بين الوعد والنتيجة، يتراجع الخطاب خطوة إضافية نحو تبرير
ذاته بدل بناء استراتيجية وطنية قابلة للفحص.
ما يميز الحالة الفلسطينية هنا هو هذا الاستثناء تحديدًا: حيث تُمنح
التناقضات شرعية دائمة باسم “المرحلة” و”الخصوصية” و”العدو”، ويُطلب من المجتمع أن
يواصل دفع الكلفة، لا بوصفه شريكًا في القرار، بل باعتباره عنصرًا لازمًا لاستمرار
السردية، حتى حين تتسع الهوة بين ما قيل يوم البداية، وما يُقال اليوم لتفسير
نهاية مفتوحة بلا أفق.
قد يكون هذا هو جوهر المأزق: حين تتحول السياسة إلى إدارة دائمة
للكلفة دون أفق، وحين يُستبدل سؤال “كيف ننتصر؟” بسؤال “كيف نبرر ما حدث؟”. وفي
تلك اللحظة، لا يصبح المجتمع شريكاً في القرار، بل “مادة” لاستمرار القصة، حتى لو
كانت القصة تُكتب فوق ركام المدينة.









