كتب الصحفي حسن سوالمة
تبدو «القضية الفلسطينية» من أكثر القضايا وضوحاً في الذهن العربي، لدى المثقف والعامي على السواء؛ فهناك مُحتلّ ومُحتَلّ، وظالم ومظلوم، وجلاد وضحية. ويبدو أن أي محاولة للتموضع خارج هذه الثنائية تُعدّ نوعاً من التمييع، وتجلب اتهامات بالخيانة والعمالة.
إن محاولة فهم القضية خارج هذا الإطار لا تجعل بالضرورة من هذه الثنائية وهماً؛ فهناك احتلال عسكري مستمر منذ عقود، وحصار، وحروب خلّفت عشرات الآلاف من الضحايا. إلا أن الإشكال الذي يلحّ هنا لا يتعلق بصحة هذه الوقائع، وإنما بقدرة هذه الثنائية على الإحاطة بالواقع الفلسطيني.
قد يبدو الاكتفاء بثنائية الظالم والمظلوم مريحاً بوصفه إطاراً لفهم جوهر القضية، إلا أن هذه الثنائية قاصرة عن بناء تصور للمستقبل، وتطوير أدوات فعّالة لتغيير الواقع، وعن تمثيل الفلسطينيين بوصفهم بشراً يريدون العيش وصناعة مستقبل آمن.
فهل يكفي أن تكون مظلوماً لكي تكون محقاً؟ وهل يعني كونك محقاً في مطالبك أن انتصارك حتمي؟ وماذا يبقى من الإنسان حين تُختصر هويته فيما يُرتكب بحقه؟
مبدئياً، فإن ثنائية «الظالم والمظلوم» ليست ملكاً حصرياً للفلسطينيين وحدهم؛ فالطرف الآخر يملك بدوره روايته عن «الضحية الأبدية»، المستندة إلى تاريخ حقيقي ومروّع من الاضطهاد في أوروبا، وقد استُخدمت تلك الرواية لتبرير كل شيء تقريباً، بما في ذلك صناعة ضحايا جدد.
وهكذا يؤدي هذا الاختزال إلى إجبار الأمم على الاصطفاف بين مظلوميتين متقابلتين، تتنازعان على الاعتراف واحتكار صورة «الضحية» بوصفها ملكية أدبية ورأسمالاً رمزياً يُراكَم ويُستثمر.
وهنا يبرز سؤال ملحّ: هل استفاد الفلسطينيون حقاً من إدراجهم بوصفهم فاعلاً رئيسياً في سوق المظلوميات طيلة هذه السنوات؟ أم أن إعادة تعريف «القضية» باتت ضرورة، لا بوصفها تنازلاً عن الحقوق، بل بوصفها شرطاً للحفاظ عليها؟
اقتصاد الضحية
في الثقافة المعاصرة، تملك «الضحية» اقتصاداً أخلاقياً خاصاً بها؛ فصورة الفلسطيني المنكوب تدور على الشاشات، وتجمع التعاطف و«الإعجابات»، وتولّد التبرعات، وتصنع مسارات مهنية لناشطين ومنظمات غير حكومية، وتغذّي مؤتمرات عالمية، فيما يبقى الفلسطيني نفسه حيث هو، تحت الركام.
تُستهلك صورة المنزل المهدّم، والأم المكلومة، والطفل اليتيم، كما تُستهلك أي سلعة أخرى؛ إذ يحصل مستهلكها على راحة ضمير بمجرد التعاطف السلبي الكسول، ثم ينتقل إلى الصورة التالية والضحية الجديدة.
طيلة عقود، استخدمت أنظمة عربية مختلفة مركزية «القضية الفلسطينية» لتبرير قوانين الطوارئ وقمع الحريات، فيما حوّلت فصائل عديدة الموت باسم الشهادة إلى رأسمال سياسي وعملة لشرعيات تتنازع على تمثيل الموت باسم فلسطين.
في ثمانينيات القرن الماضي، تحدث إدوارد سعيد عن حرمان الفلسطينيين من «الإذن بالسرد»؛ واليوم يبدو أنهم يسردون كثيراً: حكاية موتهم، وحكاية دمارهم، وكأن كل ما يملكه الفلسطيني ليرويه للعالم هو قصة موته.
صاغ الفيلسوف الألماني نيتشه مفهوم «الضغينة» (Ressentiment)، ورأى أن «أخلاق العبيد» تبدأ بقول «لا» لما هو خارجها؛ فهي لا تؤسس ذاتها إلا عبر نفي الآخر، وتبقى رهينة له. أي إن الهوية المبنية على المظلومية وحدها تجعل الظالم، في مفارقة ساخرة، مركز الوجود لدى الضحية. فإذا اختفى المحتل، ماذا سيبقى من «القضية»؟ وإذا لم يختفِ، فهل نقضي قروناً أخرى في تعريف أنفسنا عبره؟
أما فرانز فانون، فقد وصف في «معذبو الأرض» العالم الاستعماري بوصفه عالماً «مانوياً»، مقسّماً إلى حيّزين لا يلتقيان، ورأى في العنف وسيلة يستعيد بها المستعمَر ذاته. وكان ذلك تعبيراً عن لحظة تاريخية حقيقية، لحظة حروب التحرر. إلا أن التجارب ما بعد الكولونيالية، من الجزائر إلى غيرها، أظهرت أن العنف الذي يحرر الأرض لا يحرر الإنسان بالضرورة، وأن الثنائية كثيراً ما أعادت إنتاج نفسها داخل الدولة «المحررة»، فظهر ظالمون جدد باسم مظلومي الأمس.
الحياة بوصفها عملاً
في «فينومينولوجيا الروح»، يقدّم هيغل جدلية السيد والعبد: انتصر السيد في صراع الاعتراف لأنه خاطر بحياته، فيما فضّل العبد الحياة على الموت، فصار خادماً. ولكن المفارقة أن السيد يبقى تابعاً، يكتفي باستهلاك ما يُنتج له، أما العبد فيصل، عبر العمل وتشكيل المادة وتحويل العالم، إلى الوعي بذاته. أي إن الوعي بالذات لا يتحقق في الصراع حتى الموت وحده، بل في الإنتاج أيضاً.
ويمكن القول هنا إن الخروج من الثنائية لا يكون حصراً بقلب المواقع، أي أن يصبح العبد سيداً، وإنما بصناعة عالم لا تعود فيه هذه الثنائية المرجع الوحيد للمعنى.
وقبل هيغل، كتب الفيلسوف الهولندي سبينوزا في «الأخلاق» أن الإنسان الحر لا يفكر في شيء أقل من تفكيره في الموت، وأن حكمته تأمل في الحياة، لا في الموت.
فتقديس الموت، سواء موت الذات أو موت الآخر، يجعل الموت معياراً للحقيقة، والقضية التي تقيس صدقها بعدد قتلاها تبقى، بشكل ما، أسيرة منطق قاتلها.
ولا يعني هذا إدانة من ماتوا، ولا تبرئة من قتلهم، ولا إنكار حق شعب تحت الاحتلال في المطالبة بالتحرر، وإنما رفض أن يكون الموت هو الشكل الأعلى للانتماء. فلماذا يجب أن يكون «الشهيد» هو الصورة الأسمى للفلسطيني، وليس الطبيب أو العالم أو الكاتب أو المزارع أو الرياضي؟
في الواقع، فإن الفلسطينيين يمارسون الحياة منذ عقود، من دون أن يُنظَّر لذلك بما يكفي؛ إذ يحيل مفهوم «الصمود» عادة إلى التحمّل والبقاء على الأرض، أي إلى نوع من السلبية البطولية. ولكن يمكن إعادة تعريفه بوصفه إنتاجاً فاعلاً: الأطباء الذين يعملون في مستشفيات غزة المدمّرة، أو في الضفة الغربية، أو بين عرب الداخل، والمدرسة التي يُعاد بناؤها بعد كل حرب، وشجرة الزيتون التي تُغرس من جديد، والتطريز، والسينما، والرواية، والموسيقى، والطلاب الفلسطينيون في جامعات العالم، والمختبرات التي يعمل فيها علماء من أصول فلسطينية حول العالم.
ولا تُوصَف هذه الأفعال بوصفها بطولة استثنائية، بل تُقدَّم كجزء من التعايش مع الواقع، إلى حين تحقق المراد: النصر، من دون تعريف واضح له، أو الشهادة، أي الموت.
وقد كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش عن الأشياء التي تجعل الحياة جديرة بأن تُعاش، في قصيدته الشهيرة التي ارتبطت بعبارة «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». ولعل إعادة تعريف القضية تبدأ من أخذ تلك القصيدة بجدية سياسية، لا بوصفها شعاراً عاطفياً.
السلام ممكن… والدليل قائم
قد يبدو الحديث عن سلام وتعايش بين الإسرائيليين والفلسطينيين بعد الحرب الأخيرة ضرباً من الجنون أو التفاؤل الساذج، لكن الواقع في مستشفيات القدس وعدد من المستشفيات داخل إسرائيل يفنّد ذلك؛ فالطبيب الفلسطيني الذي يعالج المريض الإسرائيلي، والجرّاح الإسرائيلي الذي يستأصل أوراماً لدى مرضى من عرب الداخل، ليسا من نسج الخيال، بل هما جزء من واقع يُعاش.
غير أن هذا الواقع يبقى أشبه بسرّ معلن لا يريد دعاة الحرب من الطرفين أن يُلتفت إليه؛ فرأسمال المتطرفين من الجهتين يقوم على تسليط الضوء على حوادث تؤكد، في نظرهم، استحالة أي سلام حقيقي في السنوات المقبلة، بما يخدم مزيداً من الحشد واستدعاء المظلوميات.
نعم، ثمة من لا يؤمن بالسلام لدى كلا الطرفين، لاعتبارات شتى: دينية أو أيديولوجية أو حتى عنصرية. لكن ذلك ليس سبباً وجيهاً للكفّ عن الإيمان بالحياة، ولا للوقوع في فخ الاستسلام لمنطق الموت والدمار.
جسور لا تعبر إلى الاستسلام
بالطبع، فإن عبارة «جسور السلام» تملك سمعة سيئة بعد سنوات من احتدام الصراع. فبعد أوسلو، نشأ «اقتصاد سلام» كامل: مشاريع «تعايش» ممولة، وورش عمل مشتركة، ومنظمات غير حكومية، كثيراً ما عملت على تجميل الواقع بدلاً من تغييره.
لكن ذلك لا يعني بتاتاً أن كل الجسور لا تتجاوز كونها شعارات للاستهلاك الإعلامي؛ فهناك نوع آخر من الجسور، يُبنى من موقع القوة، لا قوة السلاح، وإنما قوة الإنتاج.
وهنا قد يفيدنا كانط في تنظيره للحكم الجمالي؛ فمن يقول «هذا جميل» يتوقع أن يوافقه الآخرون، من دون إكراه، استناداً إلى «حس مشترك» بين البشر.
يفتح الفن والعلم والأدب هذه الأرضية المشتركة خارج الثنائيات؛ فلا يحتاج العالم إلى أن يوافقك سياسياً كي يعترف بقصيدتك أو فيلمك أو نظريتك العلمية.
وعندها لا يعود الفلسطيني متسولاً للشفقة، بل منتجاً لما يستحق الاعتراف بذاته، ولا يخاطب جلاده طالباً الإقرار بوجوده، بل يخاطب البشرية بأسرها، بما فيها أولئك الذين يقفون على الضفة الأخرى ويرفضون منطق الاحتلال نفسه.
إعادة تعريف القضية لا تعني التخلي عن الأرض، ولا عن حق العودة، ولا عن تقرير المصير، بل تعني أن الفلسطينيين الذين يطالبون بهذه الحقوق يجب أن يوجدوا بوصفهم بشراً كاملين، لا صوراً للألم.
فأن تكون فلسطينياً ليس جرحاً تحمله، بل عملاً تصنعه كل يوم. أن تحيا للقضية، لا أن تموت لأجلها، ولا أن تقتل باسمها.
قد يبدو هذا، في زمن الحرب، ترفاً نظرياً، أو حتى سذاجة، ولكن ربما هذا تحديداً ما نحتاجه.
فالفلسطيني لن يبقى في ذاكرة العالم لأنه مات كثيراً، بل لأنه عاش، رغم كل شيء، حياة تستحق أن تُروى.









