في الحياة توجد الكثير من الأشياء التي تعتبر
مفجرة للعقول، ولا يمكن استيعابها بسهولة؛ إما لتعقيدها على المستوى العلمي، أو
لشبه استحالة حدوثها على أرض الواقع. لكن يبدو أن إيقاف القنبلة النووية التي
سنتحدث عنها اليوم في شبكة أخبار الشرق؛ معجزة علمية حقيقية على الأرض!
لكن قبل البدء في الحديث عن القنبلة المرعبة، يجب
أولًا تسليط الضوء على القنابل الذرية (النووية) نفسها، ودورها المحوري في الحرب
العالمية الثانية.
دور القنبلة النووية في إنهاء الحرب العالمية
الثانية
عندما الولايات المتحدة الأمريكية سحبت الكارت الأحمر في وجه اليابان.
ما حدث ذاك اليوم كان من أبشع المجازر التي قام بها الجنس البشري في التاريخ؛
إنه اليوم الذي قررت فيه الولايات المتحدة الأمريكية إنهاء الحرب العالمية الثانية
للأبد، وقذف قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناغازاكي باليابان، مغلقة باب الحرب
تمامًا، وكما يقول البعض: "التاريخ يكتبه المنتصرون".
انتهت الحرب رسميًّا في
2 سبتمبر 1945، وأثبتت للعالم أن القنابل النووية هي سيدة القضية، ويجب على الدول
أن تستثمر في التكنولوجيا النووية وإلا ستندثر. وبالفعل، قررت الولايات المتحدة الاستمرار
في عمل التجارب على تلك القنابل، وبالتحديد على "لُبّ الشيطان – Demon’s Core"!
إن لُبّ الشيطان – مثل
أي لُبّ نووي آخر في تلك الفترة – هو عبارة عن دائرة سميكة، ثقيلة للغاية، ومكونة
بالكامل من عنصر البلوتونيوم شديد التفاعل مع الانشطارات، والباعث للجزيئات
القاتلة مع الوقت. في نفس العام، ومباشرة بعد انتهاء الحرب، قرر الفيزيائي
الأمريكي (هاري داغليان - Harry Daghlian)
أن يقوم ببعض التجارب القاتلة في معمله الصغير على آلة الدمار تلك؛ حيث كان اللُبّ
في الأساس مجرد نموذج أوليّ لمفهوم القنبلة النووية ولم يشق طريقه نحو وعاء قنبلةٍ
ما بعد انتهاء الحرب، وربما لكان هو القنبلة الثالثة المقذوفة على اليابان إذا لم
تقرر الأخيرة الاستسلام تمامًا بعد أن تساوت بالتراب على يد أمريكا.
عمل هاري على دفع اللُبّ
إلى أقصى قدراته عبر استخدام عاكس النيوترونات - Neutron reflector، وهو جهاز يعمل على "ردّ"
النيترونات المنبعثة من اللُبّ إليه مرة أخرى، ليزيد من معدل الانشطار الذريّ
بداخله. بالطبع إنها تجربة خطيرة جدًا، ولسوء حظه؛ أوقع بالخطأ قطعة من كربيد
التنجستن (مادة تحفز الانشطار النووي) في قلب اللُب غير المستقر بالفعل، مما نتج
عنه حزمات متتالية من النيوترونات التي أودت بحياة هاري خلال ثلاثة أسابيع فقط من
التعرض لها!
إغلاق القنبلة النووية المجنونة!
ربما لا يتعلم الناس إلا
مع الخسائر البشرية، وهذا ما أثبتتله تلك الحادثة فعلًا. بمجرد مفارقة هاري للحياة،
قررت الولايات المتحدة التحجيم على المفاعل الصغير في مكانه لأطول فترة ممكنة، لكن
في النهاية كان يجب أن يدخل أحدهم ويوقف تلك المهزلة النيوترونية التي تحدث؛ وإلا
تحول المكان إلى قنبلة موقوتة فعلًا لتقضي أمريكا على نفسها دون أن تعلم.
سرعان ما أوكلت الحكومة
المهمة شبه المستحيلة إلى العالم المرموق (لويس سلوتن - Louis Slotin)، والذي أخذ على عاتقه إنقاذ الجميع، حتى
إذا ضحى بنفسه. كان المطلوب هو تقريب عاكس نيوترونات إلى المفاعل من جديد، مع
الحفاظ على عزله عن قطعة التنجستن المتفاعلة التي وقعت فيه منذ فترة وتسببت في كل
تلك المتاعب، ومن المفترض أن يتم العزل بمواد غير متفاعلة تسمى الفواصل – Spacers، لكن لويس لم يكن من النوع الملتزم بالتعليمات
على الإطلاق في الواقع، وقرر أن يحل مشكلة القنبلة النووية تلك بأسلوبه الخاص.
بدلًا من الانتظار لفترة
طويلة حتى تنتهي العملية بأقل الخسائر الممكنة، ترك تمامًا الفواصل، واستعمل مفك
براغٍ مفلطح الرأس ليعمل كفاصل غير متفاعل بين العاكس والقطعة المتفاعلة بداخل
اللُبّ، بينما يراقب من الناحية الأخرى مستويات الإشعاع. والخدعة هنا أن يحافظ على
وجود المفك بالضبط أمام القطعة المتفاعلة بداخل اللُبّ، وإلا انعكست النيترونات من
العاكس عليها وتسبب في انفجار ربما يدمر المبنى كله.
إنهاء لُبّ الشيطان؛ تاريخ كُتب مع وفاة صانعه
استمرت العملية
الانتحارية لبعض الوقت، حتى فلت المفك من يد لويس للحظة، وبناء عليه خرجت شرارة
زرقاء مدمرة صعقته هو ورفاقه، لكنه نجح أخيرًا في كبس العاكس على اللُبّ، وإيقاف
القنبلة النووية التي لم يكن من المقدر لها الذهاب لليابان، وفي المقابل أزهقت
حيَوات الكثير من العلماء الأمريكيين؛ محاولين إيقاف شرورها.
فارق لويس الحياة بعد 9
أيام فقط من الحادث الذي أغلق فيه القنبلة النووية المجنونة، لكن من الناحية الأخرى
كان (آلفين س. غريفز - Alvin C.
Graves)
– شريكه في العملية – محظوظًا بعض الشيء، فقد امتصّ لويس شرارة المفاعل دفعة
واحدة، بينما لم يتأثر آلفين بشدة، ليكون القدر رحيمًا به ويعيش لـ 20 عامًا
إضافيًّا بالتمام والكمال.
بعد وفاة لويس بأيام،
تداولت الصحف الخبر، وبات هو البطل المغوار للبلاد، وربما الذي قام به يعتبر
مساويًا للذي قام به علماء تشيرنوبل في 1986 للحدّ من الكارثة العالمية تلك.
لاحقًا، تم سكّ مصطلح جديد في علم الإشعاع عُرف باسم: "دغدغة ذيل التنين - Tickling The Dragon’s Tail"، مشيرًا إلى التجربة الانتحارية
للويس الذي "دغدغ" فيها كتلة من البلوتونيوم المستعر، مستعملًا مفك
براغٍ لإيقاف مفاعل نووي آخذٍ في الانشطار بلا هوادة، ومستعينًا فقط بحواسه، خبراته
العلمية، وبعض الحظ!
هل هناك حد لجنون العلم؟ لا أحد يعلم فعلًا.









