تتفاقم الأزمة الإنسانية في لبنان مع استمرار أوامر الإخلاء الإسرائيلية وتواصل تدفق النازحين، في ظل نقص المساحات المتاحة والموارد اللازمة لاحتوائهم.
وتواجه السلطات اللبنانية اختبارًا إنسانيًا بالغ الصعوبة، بعدما تجاوز عدد من غادروا منازلهم منذ تجدد الحرب بين حزب الله وإسرائيل عتبة المليون، في موجة نزوح شملت الجنوب والضاحية وأجزاء من بيروت ومناطق أخرى من البلاد.
ويعكس هذا الرقم اتساع رقعة الخوف من الغارات، كما يظهر انتقال آثار الحرب من خطوط المواجهة إلى عمق الداخل اللبناني، في بلد يرزح أصلًا تحت أزمات مالية وخدمية متراكمة.
ومع اتساع حركة النزوح، لم تعد الأزمة تقتصر على خروج الأهالي من بلداتهم، بل باتت مرتبطة أيضًا بقدرة الدولة على استيعابهم وتأمين الحد الأدنى من شروط الإقامة. وقد تحدثت تقارير ميدانية عن عائلات لجأت إلى مدارس ومبانٍ عامة وملاعب، فيما اضطر آخرون إلى الإقامة في خيام مؤقتة أو لدى أقارب، بعد امتلاء عدد من مراكز الإيواء الرسمية أو تعذر الوصول إلى مساكن بديلة.
وبات الحصول على مأوى وخدمات أساسية أولوية ملحّة لآلاف النازحين، في ظل ضغط متزايد على الموارد العامة ومحدودية الاستجابة مقارنة بحجم الاحتياجات.
ويبرز استخدام المدارس كمراكز إيواء بوصفه أحد أوضح مؤشرات الضغط الذي أصاب مؤسسات الدولة. فمع امتلاء عدد كبير من الملاجئ الرسمية، تحولت مئات المدارس إلى أماكن إقامة جماعية للنازحين، ما أدى إلى تعطيل العملية التعليمية ووضع عشرات الآلاف من الأطفال خارج الصفوف الدراسية.
كما أدت أزمة النزوح إلى ضغط متصاعد على المياه والغذاء والبطانيات والمواد الصحية، إلى جانب الحاجة إلى الكهرباء والرعاية الطبية والخدمات الأساسية للأطفال. وفي بلد يعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية وتراجع في قدرات مؤسساته، تبدو الاستجابة الإنسانية أقل من حجم الاحتياجات المتزايدة، فيما تتسع الفجوة تدريجيًا بين ما هو مطلوب وما يمكن تأمينه فعليًا على الأرض.
وبحسب المحلل السياسي أحمد العيادي، فإن الأزمة لم تعد تقتصر على بعدها الإنساني، بل باتت تضع الدولة اللبنانية أمام تحدٍّ يتصل بالاستقرار العام. ويرى العيادي أن الضغط لم يعد واقعًا فقط على مراكز الإيواء أو البلديات أو المجتمعات المضيفة، بل امتد أيضًا إلى البنية الإدارية والخدماتية والاقتصادية، في بلد يفتقر أصلًا إلى هامش واسع للمناورة.
ويضيف أن تصريحات الرئيس جوزاف عون بأن لبنان لا يمكنه خوض حروب الآخرين على أرضه تعكس حجم المأزق الذي تواجهه البلاد، في وقت تتزايد فيه كلفة النزوح والدمار والضغط على مؤسسات الدولة.
ويكشف تجاوز عدد النازحين عتبة المليون حجم الأزمة التي يواجهها لبنان، في ظل استمرار القصف واتساع الحاجة إلى الإيواء والخدمات، وسط مخاوف من أن تتحول موجة النزوح الحالية إلى استنزاف طويل الأمد لقدرات الدولة والمجتمع.


