لم تعد أوامر الإخلاء الإسرائيلية في لبنان محصورة بالقرى الحدودية في الجنوب، بعدما توسعت خلال الأسابيع الماضية لتشمل مساحات أوسع من البلاد وأحياء في الضاحية الجنوبية لبيروت، قبل أن يجدد الجيش الإسرائيلي في 21 مارس/آذار إنذاراته لسبعة أحياء هناك تمهيدًا لغارات جديدة.

وبذلك لم يعد التحذير مرتبطًا بشريط حدودي ضيق، بل بات جزءًا من مشهد يومي يتحرك شمالًا مع اتساع نطاق العمليات.

وبحسب آخر تقدير منشور للمجلس النرويجي للاجئين في 13 مارس/آذار، غطت أوامر الإخلاء نحو 1470 كيلومترًا مربعًا، أي ما يعادل 14% من مساحة لبنان.
أما الأرقام الأحدث، فتشير إلى أن عدد النازحين تجاوز المليون مع استمرار الغارات واتساع أوامر الإخلاء، فيما تجاوز عدد القتلى ألف شخص منذ بداية التصعيد في 2 مارس/آذار.

وكانت الأمم المتحدة قد حذرت مبكرًا من أن هذه الأوامر الشاملة، التي طالت عشرات القرى ومناطق مكتظة قرب بيروت، تثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الإنساني، خاصة مع صعوبة الامتثال لها على نحو فعلي بالنسبة لعدد كبير من السكان.
وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن اتساع أوامر الإخلاء يثير مخاوف من التهجير القسري المحظور بموجب القانون الدولي الإنساني.

وفي الميدان، لم يقتصر الأمر على إصدار التحذيرات، بل ترافق مع توغل بري وإقامة حواجز وقطع طرق.
وقالت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان إن القوات الإسرائيلية دخلت في بعض المناطق حتى عمق يصل إلى سبعة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، في مؤشر إلى أن أوامر الإخلاء تسير بالتوازي مع توسيع الحضور العسكري على الأرض.

واللافت في هذه الموجة ليس حجمها فقط، بل سرعتها أيضًا.
فمنطقة يعتقد سكانها أنها خارج دائرة الخطر يمكن أن تتحول خلال ساعات إلى منطقة إنذار أو هدف لغارة، وهو ما وصفه المنسق المقيم للأمم المتحدة عمران رضا بأنه غير مسبوق من حيث حجم التحذيرات وأوامر النزوح وحالة الذعر التي خلقتها.

ومع تضاؤل الخيارات، وجد كثير من النازحين أنفسهم ينتقلون من مكان إلى آخر داخل بلد يضيق سريعًا بمساحات الاحتماء.
ونقلت رويترز في 15 مارس/آذار أن نحو 132 ألف شخص كانوا داخل مراكز جماعية، بينما اضطر آخرون إلى الإقامة في سياراتهم أو تحت أغطية بلاستيكية أو في مبان غير مكتملة، كما افترش نازحون شوارع وساحات عامة في بيروت والكورنيش بعد امتلاء كثير من أماكن الإيواء.

كما تزامن اتساع أوامر الإخلاء مع انتقال إسرائيل إلى ضرب البنية التحتية المرتبطة بالحركة جنوبًا، إذ استهدفت في 22 مارس/آذار جسرًا رئيسيًا على الطريق الساحلي، بعدما أمرت بتدمير معابر فوق الليطاني وتسريع هدم منازل قرب الحدود.
ووصف الرئيس اللبناني جوزيف عون هذه الخطوات بأنها عقاب جماعي، وقال إنها قد تشكل تمهيدًا لتوسيع العملية البرية.

كما حذر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في 12 مارس/آذار، من أن إسرائيل "ستأخذ الأرض وتفعل ذلك بنفسها" إذا لم تتمكن الحكومة اللبنانية من منع حزب الله من تهديد شمال إسرائيل، في إشارة عكست بوضوح اتجاهًا نحو تعميق العملية وتوسيع المنطقة العازلة.

وبحسب المحلل السياسي حسن سوالمة، فإن المشكلة لم تعد في اتساع التحذيرات وحده، بل في أن مسارها المتدرج من الجنوب إلى الضاحية ومناطق أبعد يوحي بأن مناطق الخطر يعاد رسمها يوميًا.
وهذا ما يجعل سؤال اللبنانيين لا يتعلق فقط بموعد المغادرة، بل بما إذا كان هناك أصلًا مكان يمكن اللجوء إليه.