يجد لبنان نفسه أمام واحدة من أكثر مراحله هشاشة منذ سنوات، مع اتساع الحرب بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، وتزايد الضغوط الداخلية الناتجة عن النزوح والدمار وتراجع قدرة الدولة على احتواء المشهد.
وبحسب رويترز، تجاوز عدد القتلى في لبنان ألف شخص منذ بدء التصعيد في 2 مارس/آذار، بينما دفعت أوامر الإخلاء والغارات الإسرائيلية أكثر من مليون شخص إلى مغادرة منازلهم.

ولا يقتصر أثر الحرب على الجبهة العسكرية فقط، بل يمتد إلى الحياة اليومية في بيروت والجنوب والبقاع، حيث تحولت مدارس ومراكز عامة إلى ملاجئ، فيما يواجه آلاف النازحين أوضاعًا معيشية صعبة وسط نقص التمويل واتساع الاحتياجات الإنسانية.
وأفادت أسوشييتد برس بأن الحكومة اللبنانية، التي تعاني أصلًا من ضائقة مالية حادة، لم تتمكن إلا من استيعاب جزء محدود من النازحين داخل مراكز الإيواء.

وفي موازاة الضغط العسكري، تواجه الدولة اللبنانية مأزقًا داخليًا متزايدًا بعد اعلان الحكومة حظر الأنشطة العسكرية لحزب الله، في خطوة عكست مستوى غير مسبوق من التوتر السياسي الداخلي، لكنها سرعان ما اصطدمت بصعوبة التنفيذ على الأرض.

وتقول رويترز إن السلطات اللبنانية حاولت في الأسابيع الماضية اتخاذ إجراءات أمنية في الجنوب ومحيط بيروت، شملت توقيف عشرات الأشخاص للاشتباه بحملهم السلاح من دون ترخيص، لكن عدداً منهم أُفرج عنه لاحقًا، في وقت تجنب فيه الجيش الدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله خشية انفجار داخلي أوسع.

وفي هذا المشهد، لا يبدو الغضب في الداخل موجّهًا فقط إلى حزب الله بوصفه صاحب قرار فتح الجبهة، بل يمتد أيضًا إلى الدولة التي يحمّلها كثير من اللبنانيين مسؤولية العجز عن فرض السيادة أو منع انزلاق البلاد إلى حرب جديدة.
كما أن عرض بيروت الدخول في محادثات مباشرة لإنهاء التصعيد لم يحقق اختراقًا حتى الآن، وسط تشكيك خارجي في قدرة الدولة على ترجمة مواقفها السياسية إلى وقائع ميدانية.

وقد انعكس هذا الضغط المزدوج بوضوح على الشارع اللبناني، حيث خيّم النزوح والخوف على أجواء عيد الفطر، مع لجوء عائلات إلى خيام مؤقتة أو ساحات عامة في بيروت، بدل الاحتفال بالمناسبة كما جرت العادة.
وقالت رويترز إن كثيرًا من اللبنانيين استقبلوا العيد هذا العام تحت وطأة القلق من المستقبل، وفي ظل شعور متزايد بأن البلد يدخل مرحلة أكثر قسوة وتعقيدًا.

وبحسب المحلل السياسي حسن سوالمة، فإن خطورة المشهد لا تكمن فقط في حجم الغارات أو أعداد النازحين، بل في تزامن الحرب الخارجية مع تآكل قدرة الدولة من الداخل.
ويضيف أن لبنان يبدو اليوم محاصرًا بين جبهة مفتوحة مع إسرائيل، وأزمة داخلية تتعلق بالسلاح والسيادة والانقسام السياسي، وهو ما يجعل أي اهتزاز إضافي مرشحًا للتحول إلى أزمة أوسع على المستوى الاجتماعي والسياسي.

وفي المحصلة، لا تبدو الأزمة اللبنانية مجرد مواجهة عسكرية على الحدود، بل اختبارًا مفتوحًا لقدرة الدولة والمجتمع معًا على الصمود.
فكل يوم إضافي من الحرب لا يوسع فقط رقعة الدمار، بل يدفع أيضًا نحو مزيد من الاحتقان في بلد لم يتعافَ أصلًا من أزماته المالية والسياسية السابقة.