لم تعد الانتقادات الموجهة إلى حزب الله في لبنان مقتصرة على خصومه التقليديين أو على القوى السيادية المعارضة له، بل بدأت تظهر بصورة أوضح أيضًا من داخل البيئة الشيعية التي شكّلت تاريخيًا خزانه الاجتماعي الأوسع.

فمع اتساع الغارات الإسرائيلية وتكرار موجات النزوح من الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع، باتت كلفة الحرب تُقرأ داخل هذه البيئة بلغة أكثر قسوة، خصوصًا لدى العائلات التي فقدت منازلها أو اضطرت إلى النزوح مرة جديدة قبل أن تتعافى أصلًا من آثار الحرب السابقة.

وتحدثت أسوشييتد برس عن رد فعل شعبي نادر ضد حزب الله، مشيرة إلى أن بعض اللبنانيين الشيعة باتوا يعبّرون علنًا عن غضبهم من الحزب، ويحملونه مسؤولية فتح جبهة جديدة كلّفتهم بيوتهم وأرزاقهم وأمنهم اليومي.

ونقلت الوكالة عن نازحين من مناطق شيعية قولهم إنهم لم يتعافوا أصلًا من حرب 2024، وإن الحرب الجديدة أعادتهم إلى المدارس ومراكز الإيواء أو إلى الاعتماد على المساعدات مرة أخرى.

وتكتسب هذه الأصوات أهميتها من كونها تخرج من بيئة دفعت النصيب الأكبر من ثمن المواجهة.

فبحسب تقديرات ميدانية وتقارير دولية، تجاوز عدد القتلى في لبنان ألف شخص منذ بداية التصعيد، فيما تخطى عدد النازحين المليون، مع وجود أعداد كبيرة في مراكز إيواء جماعية أو في مساكن مؤقتة وظروف معيشية صعبة.

وهذا يعني أن المناطق الأقرب تقليديًا إلى حزب الله هي نفسها التي تتحمل مجددًا العبء الأكبر من الدمار والنزوح والخسائر اليومية.

وفي هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح داخل البيئة الشيعية سؤالًا سياسيًا أو أيديولوجيًا فقط، بل بات سؤالًا يوميًا مباشرًا يتعلق بالبيت والرزق والأمان والمستقبل.

ففكرة "الكلفة" لم تعد تُقاس فقط بالشعارات أو بالمواقف الإقليمية، بل بحجم ما خسرته العائلات التي وجدت نفسها مرة بعد مرة في قلب الجبهة، وبمدى قدرة المجتمع المحلي على تحمّل حرب جديدة فوق الانهيار الاقتصادي القديم.

ولا يبدو الاعتراض داخل البيئة الشيعية موحدًا أو صاخبًا بالقدر نفسه في كل المناطق.

فأسوشييتد برس أشارت أيضًا إلى أن جزءًا من هذا الغضب ما زال يُعبَّر عنه بحذر، بسبب الخوف من الكلفة الاجتماعية والسياسية، وبسبب اعتماد فئات واسعة على شبكات دعم وخدمات مرتبطة بحزب الله أو بحركة أمل.

ولهذا فإن كثيرًا من الاعتراض يبقى حتى الآن مكتومًا أو محصورًا في أحاديث خاصة وشكاوى يومية، أكثر من كونه تمردًا علنيًا واسعًا.

وفي المقابل، لا تزال هناك شريحة مؤيدة تعتبر أن ما يفعله الحزب مبرر، سواء بسبب استمرار الضربات الإسرائيلية أو انطلاقًا من قناعة بأن المواجهة كانت ستقع عاجلًا أم آجلًا.

ولهذا فإن الحديث عن انهيار شامل داخل الحاضنة يبدو مبالغًا فيه حتى الآن، لكن من الصعب في الوقت نفسه تجاهل أن سقف التساؤلات داخلها بات أعلى من السابق، وأن حجم الخسائر فرض نقاشًا لم يعد من السهل احتواؤه بالشعارات وحدها.

كما أعادت الحرب فتح أسئلة قديمة داخل البيئة الشيعية حول موقع الطائفة نفسها داخل الدولة اللبنانية، وحدود الارتباط بصراعات إقليمية أكبر من قدرة لبنان على الاحتمال.

وبحسب المحلل السياسي حسن سوالمة، فإن الجديد في هذه المرحلة ليس فقط حجم الدمار، بل انتقال الأسئلة إلى داخل البيئة التي كانت تميل سابقًا إلى تحمّل الكلفة بصمت أو إلى تبريرها بوصفها جزءًا من المواجهة المفتوحة مع إسرائيل.

ويضيف سوالمة أن النزوح المتكرر وخسارة البيوت والأرزاق يدفعان جزءًا من هذه الحاضنة إلى إعادة طرح سؤال أكثر مباشرة: ما الذي يحققه هذا المسار للبنانيين الذين يدفعون ثمنه مرة بعد أخرى؟

وفي المحصلة، لا يمكن الجزم حتى الآن بوجود تحول حاسم في المزاج الشيعي العام تجاه حزب الله.

لكن المؤكد أن الحرب الحالية أخرجت إلى العلن أصواتًا ناقدة كانت أقل ظهورًا في السابق، وأن كلفة الدم والتهجير بدأت تفرض داخل الحاضنة نفسها نقاشًا أثقل حول حدود الصبر ومعنى التضحية والثمن الحقيقي الذي تدفعه المجتمعات المحلية مقابل استمرار المواجهة.