لم تكن الطائفة الشيعية في لبنان يومًا بعيدة عن خطوط المواجهة مع إسرائيل. لكن ما يجري اليوم يتجاوز، في حجمه واتساعه، كثيرًا من المحطات السابقة: نزوح واسع من الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع في وقت واحد، وتدمير أحياء ومنازل للمرة الثانية خلال أقل من عامين، وتآكل ما تبقى من مقومات الحياة اليومية في بيئات تشكل الخزان الاجتماعي الأوسع لحزب الله. 

وللمرة الأولى بهذا الوضوح، تتسع داخل البيئة الشيعية نفسها أسئلة حقيقية حول ما إذا كانت قرارات الحزب خلال العامين الأخيرين تحمي هذه الطائفة فعلًا، أم تحولها إلى خط المواجهة الأول في صراعات تخدم حسابات إقليمية تتجاوز لبنان.

ومنذ اندلاع المواجهة الحالية، تصدرت المناطق ذات الغالبية الشيعية قائمة المناطق الأكثر تضررًا من الضربات الإسرائيلية. فالضاحية الجنوبية لبيروت، التي تضم مئات الآلاف من السكان وتعد المعقل الأبرز لحزب الله، خضعت لأوامر إخلاء واسعة وتعرضت لغارات متكررة طالت مباني سكنية ومقرات إعلامية ومؤسسات مالية مرتبطة بالحزب. 

وفي الجنوب، امتدت الضربات من القرى الحدودية إلى مناطق أوسع شمال الليطاني، فيما استهدفت الغارات في البقاع بلدات ذات غالبية شيعية مثل النبي شيت وبعلبك. 

وبحسب أرقام رسمية لبنانية، تجاوز عدد النازحين المسجلين مئات الآلاف، فيما تشير تقديرات إلى أن العدد الفعلي أعلى من ذلك بكثير، مع حضور طاغ للنازحين القادمين من المجتمعات الشيعية الواقعة في قلب مناطق القصف.

ووفق وكالة أسوشييتد برس، فإن ما يميز هذه الجولة هو أن بعض الشيعة باتوا يحمّلون حزب الله علنًا مسؤولية جزء من معاناتهم، بعدما كان النقد العلني للحزب من داخل الطائفة يعد خطًا أحمر نادرًا ما يتم تجاوزه. ونقلت الوكالة عن نازحين من حارة حريك ومن مدارس الإيواء تعبيرات مباشرة عن السخط، من بينها أن الناس لم يتعافوا بعد من الحرب السابقة، وأن الحزب الذي كان يوفر في السابق المدارس والمستشفيات والمساعدات ترك كثيرين هذه المرة يواجهون مصيرهم وحدهم. 

ولا يقتصر هذا التململ على الخسائر المادية أو تجربة النزوح بحد ذاتها، بل يتغذى أيضًا من شعور متزايد بأن الحزب صمت طويلًا على الضربات الإسرائيلية المتواصلة بعد وقف إطلاق النار، ثم لم يتحرك إلا حين دخلت إيران في قلب المواجهة. 

وبالنسبة إلى شريحة من الشيعة اللبنانيين، عزز هذا التوقيت الانطباع بأن أولوية الحزب لم تعد تُقرأ من زاوية المصلحة اللبنانية وحدها، بل من زاوية التزامه بمحور إقليمي أوسع.

ومع ذلك، لا يبدو المشهد أحادي الاتجاه. فجزء من البيئة الشيعية لا يزال يرى في حزب الله خط الدفاع الأول في مواجهة إسرائيل، ويعتبر أن الانخراط في القتال جاء ردًا على انتهاكات إسرائيلية متكررة لم تتوقف أصلًا منذ وقف إطلاق النار. 

كما أن سوابق الحروب الماضية تظهر أن لحظات الغضب والاعتراض لا تتحول بالضرورة إلى تحول سياسي سريع داخل القاعدة الحاضنة. لكن حتى داخل هذه القراءة، يقر كثيرون بأن الحرب الحالية تختلف عن سابقاتها من حيث حجمها وتوقيتها وكلفتها الاجتماعية المباشرة على المجتمع الشيعي نفسه.

ويتعقد المشهد أكثر حين يضاف إليه البعد الاجتماعي للنزوح. فالشيعة الذين فروا من الجنوب والضاحية والبقاع إلى مناطق ذات غالبية مسيحية أو سنية أو درزية يواجهون أحيانًا نظرة مشوبة بالحذر أو الاتهام، بوصفهم امتدادًا لحزب الله أو حاملين للحرب معهم. 

وهذا ما يضاعف شعور النازحين بالعزلة، إذ يجدون أنفسهم محاصرين بين دمار مناطقهم الأصلية وواقع جديد لا يوفر دائمًا استقبالًا مطمئنًا أو شعورًا بالأمان. وفي هذا السياق، يرى الصحفي اللبناني علي الأمين، أحد أبرز المنتقدين الشيعة لحزب الله، أن مساحة الانتقاد داخل الطائفة باتت أوسع من السابق، لكنه يحذر في الوقت ذاته من أن جزءًا كبيرًا من الاعتراض لا يزال صامتًا بسبب الخوف من العواقب، أو بفعل الاعتماد الاجتماعي والمالي على شبكات المساعدة المرتبطة بالحزب.

وبذلك، تجد الطائفة الشيعية نفسها في مأزق لا يشبه المراحل السابقة. فهي تدفع الثمن الأكبر من حيث القصف والنزوح وتدمير الأحياء والقرى، وتواجه في الوقت نفسه سؤالًا داخليًا يزداد ثقلًا: هل ما تتحمله اليوم هو ثمن حماية لبنان، كما يقول حزب الله، أم ثمن ولاء لمحور إقليمي وضع مصالحه فوق أمن المجتمع الذي يدعي تمثيله؟ وبين من لا يزال يرى في الحزب درعًا لا غنى عنه، ومن بات يراه عبئًا يكلف بيئته أكثر مما يحميها، يتشكل داخل الطائفة الشيعية في لبنان نقاش لم يكن ممكنًا بهذا الوضوح قبل سنوات، حتى وإن ظل حتى الآن محكومًا بالخوف والحاجة وثقل الولاء.