في الساحة الفلسطينية اليوم، لم يعد النقاش محصورًا في مرحلة ما بعد الحرب في غزة أو مسار إعادة الإعمار، بل تمدد إلى مراجعة أوسع للمسار الذي بدأ في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما تلاه من حرب حطمت غزة أولًا، قبل أن تتشابك انعكاساته مع ساحات إقليمية أخرى. وبين شارع أنهكته الخسائر ومنصات امتلأت بمقاطع الاحتجاج والنقد، تتردد أسئلة أكثر صراحة حول ما إذا كانت حماس قد أحسنت تقدير حجم الرد الإسرائيلي ومسار التدحرج الذي انتهى لاحقًا إلى حرب أميركية إسرائيلية على إيران ومقتل المرشد الإيراني علي خامنئي.

وكانت موجة الاحتجاجات العلنية ضد حماس في غزة خلال ربيع 2025 إحدى أبرز العلامات على هذا التحول. فقد وثقت تقارير خروج آلاف الفلسطينيين في بيت لاهيا ومناطق أخرى في شمال القطاع، في واحدة من أندر صور الغضب العلني ضد الحركة، مع هتافات من قبيل: “الشعب يريد إسقاط حماس” و”حماس اطلعوا برّا”. كما تحدثت تقارير أخرى عن خروج مئات الفلسطينيين في احتجاجات طالبت بوقف الحرب ورددت شعارات مباشرة ضد الحركة، في وقت كانت فيه مناطق الشمال من أكثر مناطق القطاع دمارًا وتشريدًا.

ولم يبق الأمر في حدود الشارع فقط، بل انتقل أيضًا إلى الفضاء الرقمي. فقد انتشرت مقاطع الاحتجاجات وبيانات عائلات غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي، في حين جرى توثيق تهديدات واستجوابات واعتداءات بحق مشاركين في احتجاجات انتقدت سلطات حماس أو طالبت بإنهاء حكمها. وبذلك، لم يعد النقد مقتصرًا على التذمر الصامت أو الأحاديث الخاصة، بل صار أكثر ظهورًا على المنصات وفي المجال العام، حتى مع استمرار الخوف من الانتقام.

هذا التبدل انعكس أيضًا في استطلاعات الرأي. ففي سبتمبر/أيلول 2024، أظهر استطلاع للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أن 57% من المستطلعين في غزة رأوا أن قرار إطلاق هجوم 7 أكتوبر كان غير صحيح، في أول مرة تتشكل فيها أغلبية في القطاع بهذا الاتجاه منذ بدء الحرب. ثم عاد المركز نفسه في مايو/أيار 2025 ليقول إن تأييد هجوم 7 أكتوبر، ودعم حماس، والاعتقاد بأنها ستنتصر في الحرب، واصل التراجع، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى أن نحو نصف الغزيين أيدوا التظاهرات المناهضة لحماس.

وفي قلب هذا الجدل، يبرز سؤال أعمق من مجرد تحميل المسؤولية عن الدمار، يتعلق بطبيعة القرار نفسه وحدود مشروعيته. إذ تتسع داخل النقاش الفلسطيني أصوات تعتبر أن أي خيار عسكري لا يملك تصورًا واضحًا لحماية المدنيين، ولا يفتح أفقًا سياسيًا يمكن البناء عليه، يتحول من أداة يُفترض أن تخدم الناس إلى عبء يدفعون هم كلفته أولًا. وفي هذا السياق، لم تعد المراجعة تنصب فقط على نتائج الحرب، بل على المنطق الذي حكمها منذ البداية: هل وُجدت خطة سياسية لما بعد الصدمة الأولى، أم أن المجتمع دُفع مرة أخرى إلى مواجهة مفتوحة من دون غاية قابلة للتحقق؟

كما لم يعد هذا النوع من النقد محصورًا في الشارع وحده. ففي يونيو/حزيران 2024، ردت الرئاسة الفلسطينية على إشادة خامنئي بهجوم 7 أكتوبر بالقول إن الفلسطينيين هم من يدفعون ثمن الحرب، وإنهم لا يحتاجون إلى حروب لا تخدم طموحاتهم في الحرية والاستقلال. وكان هذا الرد المباشر على طهران، وعلى الرواية التي قدمت الهجوم بوصفه لحظة إقليمية ضرورية، مؤشرًا مبكرًا إلى وجود تيار فلسطيني يرى أن الحسابات الإقليمية لا يجب أن تُدار على حساب الدم الفلسطيني.

وفي خلفية هذا الجدل، يبرز البعد الإيراني بوضوح. فقد قالت حماس في يونيو/حزيران 2025 إن إيران “تدفع الثمن” بسبب دعمها للفصائل في غزة، في اعتراف ضمني بأن الصلة بين الساحة الفلسطينية والمحور الإيراني لم تعد مسألة خطابية فقط، بل صارت جزءًا من كلفة الحرب نفسها. ثم جاء التطور الأضخم أواخر فبراير/شباط 2026، حين أكدت وسائل إعلام إيرانية رسمية مقتل خامنئي بعد ضربات أميركية إسرائيلية، قبل أن تعلن طهران تشكيل مجلس قيادة مؤقت لتسيير صلاحيات المرشد. وعند هذه النقطة، بدا السؤال الفلسطيني أكثر حدة: هل قُرئت حدود الرد الإسرائيلي الأميركي، واتساعه المحتمل نحو رأس النظام الإيراني نفسه، على نحو صحيح منذ البداية؟

وبذلك، لم يعد السؤال المطروح في أوساط فلسطينية واسعة متعلقًا فقط بشكل المقاومة، بل بمعناها وحدودها أيضًا. فما جدوى أي مسار لا يحمي حياة الناس، ولا يحفظ كرامتهم، ولا يقرّبهم من أفق سياسي واضح؟ وبالنسبة إلى شريحة متزايدة من الفلسطينيين، لم تعد الشعارات وحدها كافية لتبرير كلفة بشرية بهذا الحجم، ولا يبدو أن الحديث عن الصمود قادر، بمفرده، على تبديد أسئلة تتعلق بالقرار والمسؤولية والمآل.

لهذا، تبدو الانتقادات الحالية لحماس أعمق من مجرد سجال فصائلي عابر. فهي تمس أصل القرار الذي فتح باب الحرب، وتمس كذلك معنى “المقاومة” حين تصبح كلفتها أعلى من قدرة المجتمع على الاحتمال، وحين يتسع أثرها من دمار غزة إلى تآكل ما كان يسمى محور الإسناد الإقليمي. ومع ذلك، لا يعني هذا أن الفلسطينيين حسموا موقفًا موحدًا ضد حماس؛ فاستطلاعات المركز الفلسطيني أظهرت، رغم تراجع التأييد وتزايد النقد، وجود معارضة لفكرة نزع سلاح الحركة. لكن الجديد أن سؤال 7 أكتوبر انتقل، لدى شريحة أوسع من الفلسطينيين، من خانة الدعك إلى خانة المحاسبة: ماذا حصد الناس فعليًا، وهل كانت الكلفة مفهومة أصلًا حين اتُّخذ القرار؟