مع توقّف الأعمال العسكرية الإسرائيلية وانتهاء الحرب في قطاع غزة، لم يتجه النقاش الفلسطيني إلى مراجعة كلفة الحرب وتداعياتها فحسب، بل انزلق سريعًا إلى قلب سؤال قديم متجدّد: من يملك الشرعية، وبأي أساس؟

هذا السؤال عاد إلى الواجهة بقوة في الضفة الغربية عقب نشر حركة حماس، نهاية العام، وثيقتها السياسية الأخيرة «روايتنا.. طوفان الأقصى.. عامان من الصمود وإرادة التحرير»، والتي لم تُقرأ بوصفها سردًا للحرب فقط، بل كبيان سياسي يعيد فتح ملف التمثيل والشرعية في لحظة شديدة الحساسية سياسيًا واجتماعيًا.

الوثيقة، التي استندت إلى فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي قبل قرابة عقدين من الزمن بوصفه دليل شرعية، تحدثت عمّا وصفته الحركة بـ«الشرعية الانتخابية والدستورية»، واعتبرت أن احتفاظها بالأغلبية البرلمانية يمنحها حقًا دستوريًا في تشكيل الحكومة في غزة والضفة الغربية.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني حسن سوالمة أن استناد حماس إلى شرعيتها المستمدة من انتخابات عام 2006، والتي تمنحها — بحسب الوثيقة — حق تشكيل حكومة في الضفة الغربية وقطاع غزة، يحمل بُعدًا إشكاليًا قانونيًا، لا سيما أن الحركة نفسها قامت بفصل غزة عن الضفة عبر انقلاب عسكري شكّل أولى فصول الانقسام الفلسطيني.

ورغم أن النص لم يذكر منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الوطنية الفلسطينية صراحة، فإن هذا الطرح أثار ردود فعل غاضبة في الضفة، حيث اعتُبر تعميقًا لحالة الانقسام الفلسطيني، ومحاولة لتثبيت شرعية جرى انتزاعها بالقوة عقب الانقلاب العسكري في قطاع غزة.

ويرى سوالمة أن حساسية هذا الطرح لا تنبع فقط من مضمونه، بل من السياق الذي جاء فيه. فالوثيقة صدرت في مرحلة ما بعد حرب مدمّرة خلّفت أزمات إنسانية واقتصادية عميقة، كان الشارع الفلسطيني، لا سيما في الضفة الغربية، ينتظر خلالها مقاربات تُخفف من تداعيات الحرب وتفتح أفقًا سياسيًا جديدًا، لا إعادة إنتاج نقاش مؤجّل حول أحقية الحكم والتمثيل.

قراءات تحليلية أخرى للوثيقة اعتبرت أنها تمثّل انتقالًا في خطاب الحركة من تبرير قرار الحرب إلى تثبيت سردية سياسية لما بعدها، وتقديم نفسها بوصفها فاعلًا مركزيًا لا يمكن تجاوزه. إلا أن هذه القراءات نفسها أشارت إلى أن توسيع مفهوم الشرعية ليشمل بُعدًا «دستوريًا» غير مرتبط بآليات انتخابية محدثة يفتح بابًا لإشكال قانوني وسياسي، ويعيد إنتاج الخلاف الفلسطيني الداخلي بدل معالجته، خصوصًا في ظل غياب أي معالجة صريحة للانقسام أو لدور المؤسسات الوطنية القائمة.

هذا الجدل تزامن مع مؤشرات واضحة على تحوّل في المزاج العام في الضفة الغربية والقدس، حيث أظهرت استطلاعات رأي حديثة تراجعًا لافتًا في مستويات الثقة بالقوى السياسية، بما فيها حركة حماس. وبحسب استطلاع أجراه مركز القدس للإعلام والاتصال، انخفضت نسبة الفلسطينيين الذين عبّروا عن تفاؤلهم بإمكانية تحقيق حماس لأي نتائج إيجابية بعد الحرب من 67% عام 2023 إلى 26% فقط، فيما رأى نحو 46% من المستطلعين أن الحرب انتهت دون أن تصب في مصلحة أي طرف.

كما تشير نتائج المسوح إلى أن مستوى التأييد الشعبي لحماس في الضفة الغربية سجّل تراجعًا يُعد الأكبر خلال السنوات الأربع الماضية، ليستقر عند مستويات متدنية مقارنة بمراحل سابقة. ويعزو مراقبون هذا التراجع إلى شعور متنامٍ بأن الخطاب السياسي السائد لم يعد ينسجم مع أولويات الناس اليومية في ظل الضغوط الاقتصادية، وتآكل الأفق السياسي، واستمرار حالة الانسداد، وهو ما يفسّر تفضيل كثير من الفلسطينيين في الضفة أو غزة تولّي السلطة الفلسطينية، أو هيئة فلسطينية مستقلة أخرى، إدارة الحكم على حساب حركة حماس.

وفي هذا السياق، يرى متابعون أن وثيقة حماس الأخيرة أصبحت جزءًا من فجوة أوسع بين سرديات الفصائل وتوقعات الشارع الفلسطيني، لا سيما في الضفة الغربية، حيث يُنظر إلى أي خطاب يتجاهل المطالب الحقيقية للفلسطينيين بوصفه معزولًا عن الواقع.

ويحذّر هؤلاء من أن استمرار هذا التباعد قد يفاقم حالة الاغتراب السياسي، ويعمّق الانقسام الداخلي، في وقت تبدو فيه الساحة الفلسطينية بأمسّ الحاجة إلى مقاربات جامعة تعالج آثار الحرب وتداعياتها، بدل إعادة فتح صراع مؤجّل حول الشرعية والتمثيل.