في خطوة تُعد من الأكثر جرأة في تاريخ العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله، أعلن رئيس الوزراء نواف سلام حظر جميع الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب، مع المطالبة بتسليم سلاحه إلى الدولة وحصر دوره في الإطار السياسي.
ويمثل القرار، الذي صدر عقب جلسة طارئة لمجلس الوزراء ترأسها رئيس الجمهورية جوزيف عون، أوضح تأكيد سياسي وقانوني لسلطة الدولة على السلاح غير الشرعي منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1990.
وجاء القرار بعد ساعات من شن حزب الله هجومًا بالصواريخ والطائرات المسيّرة على شمال إسرائيل، ردًا على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة، في أول هجوم يشنه الحزب عبر الحدود منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
وردّت إسرائيل بحملة واسعة من الغارات على الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في الجنوب والبقاع، أسفرت في يومها الأول وحده عن مقتل 52 شخصًا وإصابة أكثر من 150 آخرين، مع صدور أوامر إخلاء شملت أكثر من خمسين قرية وبلدة.
وقال سلام إن الدولة اللبنانية "ترفض رفضًا مطلقًا وقاطعًا أي عمل عسكري أو أمني ينطلق من الأراضي اللبنانية خارج إطار مؤسساتها الشرعية"، مؤكدًا أن "قرار الحرب والسلم حصرًا بيد الدولة". ووصف هجوم الحزب بأنه "عمل غير مسؤول ومشبوه" يعرّض أمن لبنان للخطر ويمنح إسرائيل ذرائع لتوسيع عملياتها، كما وجّه أوامر إلى الجيش والأجهزة الأمنية بمنع أي إطلاق للصواريخ أو المسيّرات من الأراضي اللبنانية، وتوقيف المسؤولين عن ذلك.
من جهته، قال الرئيس عون خلال الجلسة إن ما حدث "لا يدافع عن لبنان ولا يحمي اللبنانيين"، متسائلًا: "هل أدى إطلاق الصواريخ إلى ردع إسرائيل أم هدّد لبنان مجددًا؟". وأضاف أن هذه الخطوة "لم تفعل سوى منح إسرائيل ذريعة لتدمير البلد"، معتبرًا أن "من أطلق الصواريخ يتحمل مسؤولية تصرفه المتهور، لا الشعب اللبناني". كما أبلغ عون لاحقًا سفراء الخماسية الدولية أن قرارات الحكومة "سيادية لا رجوع عنها"، وأن الجيش مكلّف بتنفيذها.
وما أضفى على القرار ثقلًا استثنائيًا هو حصوله على تأييد رئيس مجلس النواب نبيه بري، الحليف التاريخي الأبرز لحزب الله داخل المعادلة الشيعية. كما طلب وزير العدل عادل نصار من النيابة العامة إصدار أوامر بتوقيف من أطلقوا الصواريخ. ويرى عماد سلامي، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية، أن تنفيذ قرار نزع سلاح الحزب بات "أكثر واقعية اليوم" لأنه يحظى بدعم وطني واسع يمتد إلى الفضاء السياسي الشيعي نفسه، مشيرًا إلى أن تصويت حركة أمل لصالح القرار يعني أن مسألة حصرية السلاح لم تعد تُقرأ كمطلب طائفي، بل كضرورة لاستقرار الدولة.
وأعلنت القيادة العسكرية اللبنانية اعتقال 27 شخصًا بتهمة حيازة أسلحة غير مرخصة، في إطار ما وصفته بـ"إجراءات أمنية استثنائية" لمنع أي مظهر مسلح خارج سلطة الدولة. وأكدت مصادر أمنية أن حملة التوقيفات شملت عناصر من حزب الله وجهات أخرى غير حكومية، مع حرص المسؤولين على التأكيد أن الحملة لا تستهدف طرفًا بعينه، تجنبًا لإثارة توترات طائفية.
في المقابل، قال الحزب في بيان إنه يتفهم "عجز الحكومة اللبنانية أمام العدو الإسرائيلي"، لكنه لا يرى مبررًا لاتخاذ "إجراءات عدائية ضد اللبنانيين الرافضين للوجود الإسرائيلي". وقال رئيس كتلة الحزب النيابية محمد رعد إن "اللبنانيين كانوا ينتظرون قرارًا بحظر العدوان، لا قرارًا بحظر رفض العدوان". وفي خطوة حملت دلالات تحدٍ واضحة، واصل الحزب شن هجمات على مواقع عسكرية إسرائيلية في اليوم التالي للقرار، مستهدفًا قاعدة رمات ديفيد ومواقع في الجولان.
وترى دانيا عريسي، المحللة في معهد نيو لاينز للسياسات، أن قرار الحكومة يمثل "تحولًا جوهريًا في موقف الدولة تجاه نزع سلاح حزب الله"، مضيفة أنه "تأكيد إضافي على أن الحزب فقد كثيرًا، إن لم يكن كل نفوذه السياسي داخل الحكومة اللبنانية". في المقابل، يحذر مايكل يونغ، الخبير في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، من أن التنفيذ "أصعب بكثير مما يبدو"، لا سيما في ظل محدودية قدرات الجيش اللبناني المالية والعملياتية، واستمرار التوغل الإسرائيلي في الجنوب، بما يضيّق المساحة المتاحة أمام القوات اللبنانية.
ويبدو المشهد اللبناني اليوم عند مفترق حقيقي. فالقرار الحكومي يحمل دلالة سياسية وقانونية يصعب تجاهلها، ويعكس تراجعًا غير مسبوق في قدرة حزب الله على فرض معادلته داخل الدولة. لكن المسافة بين الإعلان والتنفيذ الفعلي لا تزال واسعة، في بلد يخوض حربًا لم يخترها، ويحاول استعادة سيادته في لحظة تتنازع فيها على أرضه أطراف عدة وحروب متداخلة.








