تواجه الحكومة اللبنانية انتقادات متصاعدة، محليًا ودوليًا، مع عجزها عن تنفيذ قراراتها الأخيرة بشأن حصرية السلاح ومنع أي وجود عسكري خارج الشرعية، في وقت تتسع فيه رقعة المواجهة بين حزب الله وإسرائيل.

ولم تعد الانتقادات، خصوصًا في أوساط القوى السيادية في لبنان، مقتصرة على تحميل حزب الله مسؤولية إدخال البلاد في مواجهة جديدة، بل امتدت أيضًا إلى الدولة نفسها، التي أعلنت رفضها جرّ البلاد إلى الحرب، لكنها بدت حتى الآن عاجزة عن فرض هذا الموقف على الأرض.

ومع اتساع الغارات الإسرائيلية وتفاقم الأزمة الإنسانية، يتزايد في الشارع اللبناني الشعور بأن الأزمة لا تتعلق فقط بقرار الحزب، بل أيضًا بضعف السلطة التي لا تملك قرار الحرب كاملًا ولا أدوات وقفها كاملًا.

ومنذ الساعات الأولى لاندلاع الحرب، حاولت الرئاسة والحكومة في بيروت توجيه رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي مفادها أن لبنان الرسمي لا يريد الانخراط في هذه المواجهة.

ونقلت أسوشييتد برس عن الرئيس جوزيف عون قوله، خلال اجتماع طارئ لمجلس الوزراء، إن هناك جهة تريد جرّ البلاد إلى ما لا علاقة للبنان به، في إشارة إلى حزب الله، فيما أعلن رئيس الوزراء نواف سلام حظر الأنشطة العسكرية للحزب وحصره في الإطار السياسي.

وكانت الحكومة قد كلّفت الجيش منذ عام 2025 بخطة لوضع سلاح كل الجماعات المسلحة تحت سيطرة الدولة، قبل أن تمنحه في فبراير/شباط 2026 مهلة إضافية للتقدم في المرحلة الثانية من الخطة.

إلا أن حزب الله رفض هذا المسار علنًا، واعتبره خدمة للأهداف الإسرائيلية، فيما حذرت الحكومة نفسها من أن محدودية قدرات الجيش واستمرار الضربات يعرقلان التنفيذ.

وبحسب رويترز، فإن السلطات اللبنانية أوقفت بعد اندلاع الحرب نحو 50 شخصًا للاشتباه بحملهم السلاح من دون ترخيص في الجنوب ومحيط بيروت، لكن عددًا منهم أُفرج عنه سريعًا بعد دفع غرامات بسيطة.

كما تجنبت المؤسسة العسكرية الدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله، خشية تأجيج التوتر مع الشارع الشيعي أو تعريض الجيش نفسه لانقسام داخلي.

ولهذا لم يعد الغضب موجّهًا فقط إلى الحزب بوصفه صاحب قرار السلاح، بل أيضًا إلى الحكومة، التي يحمّلها كثيرون مسؤولية العجز عن ترجمة موقفها السياسي إلى سيادة فعلية على الأرض.

وتشير تقارير إلى أن الانطباع الذي يتوسع في الداخل ليس أن الدولة تؤيد خيار الحزب، بل أنها أضعف من أن تمنعه، وهو ما يراه كثيرون مسؤولية سياسية لا تقل وطأة عن مسؤولية من اتخذ قرار فتح الجبهة.

وكان المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان قد اعتبر أن مطالبة الحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله بينما البلاد تتعرض للقصف أمر غير معقول، مضيفًا أن أي حل واقعي لا يزال يمر عبر التفاوض، لا عبر مطالبة بيروت بإنجاز ما عجزت عنه إسرائيل نفسها بالقوة.

وفي هذه الأثناء، يدفع المجتمع اللبناني، وبحسب المحلل السياسي أحمد عيادي، ثمن هذا العجز المزدوج.

وبحسب عيادي، فإن البلد يبدو عالقًا بين طرف مسلح لا يُظهر استعدادًا للتراجع، ودولة تعرف ما تريد قوله سياسيًا لكنها لا تملك ما يكفي لفرضه أمنيًا.


فالغارات الإسرائيلية قتلت أكثر من ألف شخص ودفعت أكثر من مليون إلى النزوح، بينما تحولت مدارس إلى مراكز إيواء، وحذرت اليونيسف من أن أطفال لبنان يدفعون "ثمنًا فادحًا" مع تعطل التعليم ونقص الخدمات الأساسية في الملاجئ.

وقالت رويترز في تقرير مصور من بيروت إن بعض العائلات باتت تلجأ إلى المدارس والملاعب وحتى الشوارع العامة، في مشهد يعكس انتقال الأزمة من جبهة عسكرية إلى ضغط يومي يلامس حياة المجتمع اللبناني بشكل مباشر.

ويأتي ذلك فوق بلد لم يتعافَ أصلًا من الانهيار المالي الذي بدأ في عام 2019، ولا من انفجار مرفأ بيروت، ولا من آثار حرب 2024.

وأطلقت الأمم المتحدة نداءً عاجلًا بقيمة 308 ملايين دولار لمواجهة تداعيات الحرب، محذرة من أن نقص التمويل يجبر المنظمات على تقنين المساعدات في وقت تتزايد فيه الاحتياجات بوتيرة أسرع من قدرة الاستجابة.