بعد اثني عشر يومًا من التصعيد العسكري العنيف بين إسرائيل وإيران، عاد الهدوء إلى المنطقة، تاركًا خلفه تداعيات ثقيلة على بقية ساحات المواجهة، وفي مقدمتها قطاع غزة المنكوب.

ومع انكفاء إيران خلال المواجهة المباشرة مع إسرائيل نحو جبهتها الداخلية التي تلقت ضربات موجعة، وجدت حركة حماس نفسها في موقع لا يشبه أي مرحلة سابقة من صراعها مع إسرائيل، نظرًا لغياب الغطاء الإقليمي المتمثل في محور المقاومة، وخفوت صوت شعار "وحدة الساحات"، إلى جانب تآكل أوراق القوة، وبخاصة تراجع عدد الأسرى الإسرائيليين الأحياء، وانفجار الوضع الداخلي نتيجة الأزمة الإنسانية غير المسبوقة داخل القطاع.

ظاهريًا، لا تزال حماس تحتفظ ببعض القدرات الميدانية، وتواصل استهداف القوات الإسرائيلية في مناطق التماس، ولعل عملية خان يونس الأخيرة مثال حي على ذلك. لكن على الأرض، يسجّل الجيش الإسرائيلي تقدمًا استراتيجيًا تدريجيًا غير معلن، يتجاوز حدود الإنجازات العسكرية الظرفية.

إعلان الحكومة الإسرائيلية الأسبوع الماضي استعادة جثامين رهائن إسرائيليين من عمق قطاع غزة كان إشارة إلى أن القبضة الأمنية لحماس لم تعد محكمة كما كانت، وأن أدوات التفاوض المركزية بدأت تتآكل.

ويشير مراقبون إلى أنه منذ اندلاع المواجهة الإيرانية الإسرائيلية، تراجعت وتيرة الدعم السياسي واللوجستي الإيراني لحماس. هذا التراجع فتح الباب أمام إسرائيل لتكثيف ضرباتها على قطاع غزة، مستغلة لحظة الانشغال الإقليمي. وفي غياب الحلفاء الإقليميين، وجدت الحركة نفسها وحيدة في مواجهة آلة عسكرية لا تتوقف، ومجتمع دولي عاجز أو متواطئ، وسكان باتوا على حافة المجاعة.

الرهانات التي طالما استندت إليها الحركة بدأت تتبدّد؛ فتغيّر موازين القوى إقليميًا، وانفجار ساحات الدعم الأخرى، وتململ الصمود داخل الجبهة الداخلية، تحمل أكثر من إشارة إلى ضرورة إعادة قراءة الوضع.

الخطاب المقاوم، الذي كان يجذب التعاطف الشعبي، يواجه اليوم نقدًا داخليًا متزايدًا، في ظل دمار البنية التحتية التي تحولت إلى ركام نتيجة القصف، ونقص الغذاء والماء والدواء. ولم يعد الحديث عن "الانتصار الرمزي" مقنعًا، خصوصًا بعد أن بات الثمن المدفوع إنسانيًا يفوق كل تصوّر، ويتجاوز الخسائر التكتيكية التي تحدث عنها خالد مشعل.

اللافت في اللحظة الراهنة أن حماس لم تعد الطرف الذي يمسك بزمام المبادرة، حيث لم يعد لها ترف إطالة مدة الحرب أو الانسحاب من مفاوضات وقف إطلاق النار.

ويرى المحلل السياسي أحمد عيادي أن حماس أمام مفترق طرق: إما المضي في حرب قد تنتهي بانهيار البنية المجتمعية في قطاع غزة، أو القبول بمفاوضات تحفظ ما تبقى من حضورها السياسي داخل المجتمع الفلسطيني.

ومع استمرار الحصار، ومنع إدخال المساعدات الإغاثية، وتفاقم الأوضاع الصحية والمعيشية، فإن كل يوم تأخير يزيد من الاحتقان الشعبي ويُضعف قدرة الحركة على المناورة. ومع تزايد التململ الشعبي والضغوط الإقليمية والدولية، قد تجد حماس نفسها مجبرة على اختيار تسوية لا تحمل عنوان "الانتصار"، بل "البقاء".

يمكن القول إن اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل لم يكن مجرد إنهاء لحالة تصعيد عسكري بين قوتين إقليميتين متنافستين، بل شكّل لحظة انكشاف في بنية محور المقاومة والممانعة ذاته، الذي بدا مشتتًا بين معاركه، وغائبًا عن تقديم الحماية أو الدعم المباشر لشعبه.