بعد مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار وثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، لا يزال سكان قطاع غزة يواجهون ظروفاً معيشية قاسية، مع استمرار الضربات الإسرائيلية وتعثر إعادة الإعمار ونقص الخدمات الأساسية.
وفي ظل الدمار وتراجع فرص العمل، باتت المغادرة أحد الخيارات التي يفكر فيها بعض الغزيين بحثاً عن الأمان والعلاج والتعليم، بينما يتمسك آخرون بالبقاء أو يأملون في العودة حين تسمح الظروف باستئناف حياتهم.
هدنة لم تنه المعاناة
وبحسب وزارة الصحة في غزة، تجاوزت حصيلة ضحايا الحرب 74 ألف قتيل و175 ألف جريح حتى أواخر سبتمبر/أيلول 2026.
وكانت الوزارة قد أعلنت مقتل من 1280 منذ سريان وقف إطلاق النار، في وقت تتبادل فيه إسرائيل وحركة حماس الاتهامات بخرق الاتفاق.
وتفيد منظمة الصحة العالمية بأن 19 مستشفى فقط من أصل 36 تعمل في القطاع، وجميعها بطاقة منقوصة، وسط نقص الأدوية والوقود والمعدات والخدمات التخصصية.
كما يواجه المرضى صعوبات في السفر للعلاج. فقد أُعيد فتح معبر رفح جزئياً مطلع فبراير/شباط 2026، بعد إغلاق امتد منذ مايو/أيار 2024، لكن العبور اقتصر في معظمه على أعداد محدودة من المرضى ومرافقيهم.
وتقدّر وزارة الصحة في غزة عدد المحتاجين إلى إجلاء طبي عاجل بنحو 20 ألف مريض، وتقول إن أكثر من 1260 مريضاً توفوا أثناء انتظار السفر.
المغادرة في استطلاعات الرأي
وأظهر مسح أجراه «الباروميتر العربي» بالتعاون مع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أن 33% من المستطلعين في غزة يعتزمون المغادرة مع أسرهم إذا أتيحت الفرصة، و7% بمفردهم، فيما قال 6% إن أفراداً آخرين من عائلاتهم سيغادرون.
وفي استطلاع منفصل أجراه المركز مطلع مايو/أيار 2025، أبدى نحو 49% استعدادهم للتقدم بطلبات إلى إسرائيل لمساعدتهم على السفر عبر موانئها ومطاراتها، مقابل 50% رفضوا ذلك.
وكان التفكير في المغادرة قائماً قبل الحرب أيضاً؛ إذ بلغت نسبته 31% بين سكان القطاع و44% بين الشباب عشية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بحسب المركز.
اقتصاد منهك وإعمار مؤجل
وتتزامن هذه الخيارات مع تدهور اقتصادي واسع. فبحسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد»، لحق الضرر أو الدمار بنحو 92% من المنشآت الاقتصادية في غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبلغ معدل البطالة 78% خلال عام 2025.
وتقدّر الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار على مدى عشر سنوات، منها 26.3 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى لاستعادة الخدمات الأساسية والبنية التحتية ودعم النشاط الاقتصادي.
وكانت القمة العربية الطارئة في القاهرة قد أقرّت، في مارس/آذار 2025، خطة لإعادة إعمار القطاع مع بقاء سكانه فيه، في ظل رفض جامعة الدول العربية تهجير الفلسطينيين.
وفي سبتمبر/أيلول الماضي، طرح «مجلس السلام» المدعوم أميركياً خطة لستة أشهر بكلفة 2.45 مليار دولار، تشمل 66 مشروعاً، مشيراً إلى أن قوة الاستقرار الدولية والإدارة الجديدة لم تدخلا القطاع بعد.
ويربط الممثل السامي للمجلس، نيكولاي ملادينوف، إحراز تقدم بنزع سلاح حماس، وهو ما ترفضه الحركة. كما يرتبط تنفيذ الخطط بدخول مواد البناء والترتيبات الخاصة بالقوات الدولية وانسحاب القوات الإسرائيلية.
وبحسب صحيفة «الغارديان»، جرى تقليص الخطة إلى مشروع تجريبي قرب رفح لا يُتوقع تشغيله قبل نهاية 2026، فيما لم يصل سوى جزء محدود من التعهدات المالية المعلنة.
البحث عن حياة خارج القطاع
وفي ظل تعثر التعافي، تتعدد دوافع المغادرة بين البحث عن العمل واستكمال الدراسة والحصول على العلاج ولمّ شمل الأسر.
ومن بين الراغبين في الرحيل ياسر أبو جيب، الذي قال لـ«إندبندنت عربية» في مايو/أيار 2025 إنه اتخذ قراراً بمغادرة غزة نهائياً، لكنه ظل يواجه صعوبات في الخروج رغم حمله جنسية أجنبية.
أما الذين غادروا، فيواجه بعضهم تحديات تتعلق بالإقامة والدخل ومستقبل العودة. وقدّرت وكالة رويترز مطلع 2025 وجود نحو 100 ألف فلسطيني قدموا من غزة إلى مصر، معظمهم دون إقامات طويلة الأمد، ويعتمد كثير منهم على المدخرات أو مشاريع صغيرة.
ونقلت الوكالة قصص نساء بدأن مشاريع لبيع الأطعمة الفلسطينية وصناعة الحقائب بعد فقدان منازلهن ومصادر دخلهن. وأبدى عدد ممن تحدثت إليهم تردداً بين العودة إلى غزة والبقاء في مصر إلى حين تحسن الأوضاع، مع رفض اعتبار وجودهم خارج القطاع توطيناً دائماً.
وفي فرنسا، تمكّن المهندس عايد أيوب، البالغ 57 عاماً، من الالتحاق بزمالة أكاديمية في أبريل/نيسان 2025، بعد انتظار تجاوز عاماً للخروج مع زوجته وأطفاله الأربعة. وكان ضمن مجموعة من 115 فلسطينياً استقبلتهم باريس.
كما وصل 34 طالباً من غزة إلى بريطانيا في سبتمبر/أيلول 2025 للالتحاق بجامعاتها، بعد إجلائهم إلى الأردن لاستكمال إجراءات التأشيرات، بينما بقيت عائلات بعضهم في القطاع.
ولا تعني هذه الحالات أن المغادرة قرار نهائي لدى الجميع؛ فبين السكان من يسعى إلى الاستقرار في الخارج، ومن يغادر للعلاج أو الدراسة على أمل العودة، ومن يرفض الرحيل خشية فقدان إمكانية الرجوع.
ومع استمرار تعثر الإعمار والقيود على السفر، يبقى استئناف الحياة في غزة مرتبطاً بتوفير السكن والخدمات وفرص العمل، فيما تظل خيارات كثير من الأسر محدودة، سواء أرادت البقاء أو المغادرة.









