كتب: عبد الرحمن سيد
على امتداد أكثر من أربع سنوات ونصف من
الحرب، لم تعد المعركة الروسية الأوكرانية محصورة في ساحات القتال، بعدما تحولت الموارد
المالية والتجارة والطاقة إلى أوراق أساسية في الصراع.
كلمة زيلينسكي في الجمعية العامة للأمم
المتحدة
ومن قلب الجمعية العامة للأمم المتحدة،
أعاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي التأكيد على هذا البعد، داعيا قادة العالم
إلى مواصلة الضغط على عائدات روسيا وعرقلة قدرتها على تمويل حربها.
وقال زيلينسكي، اليوم الأربعاء، في كلمته
أمام الجمعية العامة، إن «إيرادات روسيا يجب أن تظل هدفا»، معتبرا أن استمرار تدفق
الأموال إلى موسكو يعني منح الحرب مزيدا من الوقت.
وأضاف: «عندما
يمنح شخص ما روسيا المزيد من المال من خلال التجارة، فإنه يمنح هذه الحرب المزيد من
الوقت ولهذا السبب بالتحديد نصر على الحد من التجارة مع المعتدي، وأن نحرق عائدات روسيا
بأنفسنا».
وتأتي هذه الدعوة في وقت لا تزال فيه موسكو
متمسكة بموقفها الرافض لوقف القتال خلال أي مسار تفاوضي، وهو ما ظهر في كلمة وزير الخارجية
الروسي سيرجي لافروف أمام مجلس الأمن الدولي اليوم الأربعاء.
وبينما قال لافروف إن روسيا مستعدة للتفاوض
من أجل الوصول إلى سلام دائم، شدد في الوقت نفسه على أنها لن «توقف» الحرب، معتبرا
أن مثل هذا التوقف قد يمنح أوكرانيا وداعميها فرصة للحصول على مزيد من الأسلحة.
ويعكس هذا التباين بين موقفي كييف وموسكو
استمرار الخلاف ليس فقط حول شروط إنهاء الحرب، وإنما أيضا حول شكل المسار الذي يمكن
أن يقود إلى ذلك ففي الوقت الذي يركز فيه زيلينسكي على تجفيف الموارد التي تمكن روسيا
من مواصلة القتال، ترى موسكو أن وقف العمليات العسكرية خلال المفاوضات قد يسمح لأوكرانيا
بإعادة تعزيز قدراتها.
ومن المقرر أن تلقي روسيا كلمتها أمام الجمعية
العامة يوم السبت المقبل، بينما لم يسافر الرئيس فلاديمير بوتين إلى الأمم المتحدة
منذ سنوات، وأوفدت موسكو وزير الخارجية سيرجي لافروف لتمثيلها.
وذهب زيلينسكي في خطابه إلى أبعد من الدعوة
إلى الضغط الاقتصادي، واضعا الرئيس الروسي في قلب رؤيته لاستمرار الحرب، إذ قال: «يبدو
أن هناك دائما شيئا ما يمنع بوتين من القول: هذا كل شيء كفى، السلام هل يمكنكم حتى
أن تتخيلوه بدون حرب؟». ووصفه بأنه «المريض صفر»، في إشارة إلى الشخص الذي تستمر الحرب
في الانتشار منه، قبل أن يقول: «يجب إيقاف المريض صفر».
وتأتي هذه التصريحات بينما تواصل الحرب
فرض كلفة بشرية كبيرة على الطرفين، في ظل غياب أرقام رسمية شاملة عن إجمالي الضحايا
من جانب روسيا أو أوكرانيا.
ووفق تقديرات محللين غربيين، قتل أكثر من
500 ألف جندي روسي، فيما سجلت أوكرانيا أكثر من 500 ألف ضحية عسكرية، بينهم ما يصل
إلى 140 ألف قتيل.
ولا تتوقف آثار الحرب عند الخسائر البشرية
والعسكرية، فقد امتدت تداعياتها إلى حركة شحن الوقود والأسمدة والحبوب، وأثرت في الجغرافيا
السياسية العالمية، كما أسهمت في تعميق الانقسامات بين روسيا والدول الغربية.
ومن هذا المنظور، تكتسب دعوة زيلينسكي أهمية
تتجاوز حدود الخطاب الدبلوماسي، لأنها تضع العائدات الروسية والتجارة الدولية في صلب
النقاش حول قدرة موسكو على مواصلة الحرب فكلما طال أمد الصراع، أصبحت الموارد التي
تسمح بتمويله جزءًا من المواجهة، بالتوازي مع استمرار الجهود العسكرية والسياسية والدبلوماسية
لإنهائه.
وفي المقابل، فإن تأكيد لافروف استعداد
روسيا للتفاوض على «سلام دائم» مع رفض وقف القتال يوضح أن فكرة المفاوضات لا تزال حاضرة
في خطاب موسكو، لكنها مرتبطة بشروط ومخاوف تتعلق باستغلال أي هدنة لإعادة تسليح أوكرانيا.
وبين الضغط على مصادر تمويل الحرب والدعوات
إلى التفاوض، تستمر المواجهة الروسية الأوكرانية في إعادة تشكيل المشهد الدولي، بعدما
أصبحت تداعياتها تمتد إلى التجارة والطاقة والغذاء والعلاقات بين القوى الكبرى، لتؤكد
أن تأثير الحرب لم يعد يقتصر على حدود الدولتين، بل بات حاضرا في حسابات الاقتصاد والسياسة
العالمية.


