لأكثر من عقد، بدت العلاقة بين قطر وحماس، على المستوى الرسمي، محصّنة بوظيفة واضحة تتمثل في قناة تفاوض تقول الدوحة إنها أُنشئت بطلب أميركي وبعلم إسرائيلي. لكن هذه المعادلة، التي صمدت أمام حروب غزة وضغوط واشنطن المتكررة، تبدو اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

فمع تعرض قطر لهجمات إيرانية مباشرة، وارتفاع لهجتها تجاه طهران، عاد إلى الواجهة الجدل بشأن مستقبل وجود المكتب السياسي لحماس في الدوحة. ولم يعد هذا الملف مرتبطًا فقط بدور الوساطة في غزة، بل بات يتصل أيضًا بحسابات الأمن والسيادة في الخليج، وسط تقارير تتحدث عن تضييق متزايد على بقاء قيادات الحركة في العاصمة القطرية.

وتعود جذور هذا الملف إلى سنوات سابقة، إذ تستضيف قطر المكتب السياسي لحماس منذ عام 2012 ضمن قناة سياسية قالت الدوحة مرارًا إنها أُنشئت بطلب من الولايات المتحدة وبعلم إسرائيل لتسهيل الوساطة. لكن هذا الوجود لم يعد ثابتًا كما كان، إذ قالت رويترز في مايو/أيار 2024 إن قطر كانت تراجع مستقبل المكتب ضمن إعادة تقييم أوسع لدورها الوسيط، قبل أن تنقل الوكالة في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه أن واشنطن أبلغت الدوحة بأن وجود حماس لم يعد مقبولًا بعد رفض الحركة مقترحًا لوقف إطلاق النار. ثم أوضحت قطر لاحقًا أن المكتب لم يُغلق نهائيًا، وأن فريق التفاوض لا يمكث دائمًا في الدوحة.

وازداد الملف حساسية بعد الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قادة من حماس في الدوحة في سبتمبر/أيلول 2025. ففي ذلك الوقت، وصفت قطر الهجوم بأنه انتهاك لسيادتها، وردت على دعوات بنيامين نتنياهو إلى طرد مسؤولي الحركة بالتأكيد أن استضافة المكتب كانت جزءًا من جهود الوساطة الرسمية، لا غطاءً سياسيًا سريًا. لكن رئيس الوزراء القطري قال بعد تلك الضربة إن حكومته تعيد تقييم كل شيء وتناقش مع واشنطن الخطوة التالية، بما عكس بوضوح أن بقاء المكتب لم يعد مسألة مستقرة أو محصنة كما في السابق.

واليوم، يأتي هذا النقاش في بيئة أشد توترًا. فبعد الهجمات الإيرانية على قطر ودول خليجية أخرى منذ 28 فبراير/شباط، قالت الدوحة إن منشآت مدنية، بينها المطار، كانت ضمن الأهداف، وأكدت أن المبررات الإيرانية “مرفوضة تمامًا”. كما وصف رئيس الوزراء القطري ما جرى بأنه “خيانة” و”سوء تقدير” دمّرا ما تبقى من الثقة، فيما أعلنت وزارة الخارجية أن الدوحة تريد تعزيز شراكتها الدفاعية مع الولايات المتحدة عقب هذه الهجمات.

وفي هذا المناخ، لم يعد وجود حماس في قطر يُقرأ فقط من زاوية التفاوض حول غزة، بل أيضًا من زاوية الكلفة السياسية والأمنية المترتبة على استضافة حركة تُنظر إليها إقليميًا بوصفها جزءًا من شبكة تحالفات وثيقة مع إيران. 

وبحسب المحلل السياسي حسن سوالمة، فإن الوقائع الأخيرة تدفع بهذا الاتجاه أكثر مما تؤكده بيانات رسمية مباشرة، إذ تشدد قطر على سيادتها، وتتهم إيران بتقويض الثقة، وتطلب تعزيز مظلتها الدفاعية الغربية، بينما يبقى ملف حماس معلقًا ضمن مراجعات متكررة منذ عام 2024.

ولم يصدر حتى الآن إعلان قطري رسمي نهائي يفيد بأن المكتب أُغلق بصورة دائمة أو أن قادة الحركة طُردوا رسميًا. لكن المؤشرات المتراكمة تدل على تقلص الهوامش التي كانت تسمح للدوحة بالفصل بين دور الوسيط وكلفة الاستضافة. فحتى آخر موقف رسمي واضح نقلته رويترز في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، قالت قطر إن المكتب لم يُغلق نهائيًا، لكنها أوضحت أيضًا أن أعضاء فريق التفاوض ليسوا موجودين دائمًا في الدوحة.

ومنذ ذلك الحين، توالت الضغوط الأميركية، ثم جاءت الضربة الإسرائيلية في قلب الدوحة، ثم لحقت بها الهجمات الإيرانية على قطر نفسها. وهو ما جعل البيئة السياسية المحيطة بوجود الحركة أكثر هشاشة من السابق.

أما بالنسبة إلى حماس، فإن المأزق لم يعد جغرافيًا فقط، بل سياسيًا أيضًا. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، نفت تركيا تقارير عن انتقال المكتب إليها من قطر، وهو ما أظهر أن خيارات البديل لم تكن سهلة حتى في ذلك الوقت. واليوم، ومع ازدياد حساسية الاستقطاب الخليجي الإيراني، تبدو قيادة الخارج أمام مساحة أضيق للحركة، خصوصًا إذا ترسخت في العواصم العربية قناعة بأن الحركة لم تعد قادرة على الحفاظ على مسافة سياسية مريحة بين تحالفها مع طهران وعلاقاتها مع الدول العربية التي استضافتها أو توسطت لصالحها لسنوات.

وبحسب المحلل السياسي حسن سوالمة، فإن مسار الضغوط والتراجعات المتتالية يوحي بأن الحركة تواجه كلفة سياسية متصاعدة، حتى لو لم يصدر بعد قرار قطري معلن ونهائي بشأن إغلاق المكتب أو إبعاد قياداته. وبهذا المعنى، فإن مجرد عودة الحديث عن احتمال إبعاد قيادة حماس من الدوحة يكشف حجم التحول الذي أصاب موقع الحركة الخارجي.

ويبدو أن المسألة لم تعد تتعلق فقط بمكان إقامة المكتب السياسي، بل أيضًا بما إذا كانت المظلة العربية التي وفرت للحركة مساحة تفاوض وحركة خلال السنوات الماضية لا تزال قادرة على حمايتها من كلفة الاصطفافات الإقليمية. 

وإذا ذهبت الدوحة فعلًا نحو فك هذا الارتباط، فإن ذلك لن يكون انتقالًا إداريًا بسيطًا، بل إشارة إلى أن قيادة الخارج باتت أكثر عزلة، وأن وظيفة الوساطة لم تعد تكفي وحدها لتبرير كلفة الاستضافة.