لم تعد الضربات الإسرائيلية على لبنان تقتصر على منصات إطلاق الصواريخ والبنى العسكرية التقليدية، بعدما استهدفت غارة إسرائيلية مكتبًا قالت تل أبيب إنه تابع لمنظومة جمع الأموال الخاصة بحماس في لبنان، في خطوة تعكس توسعًا في طبيعة الأهداف التي باتت تدخل ضمن مسار الحرب.
وقال الجيش الإسرائيلي إن الضربة نُفذت بالتنسيق مع جهاز الشاباك، واستهدفت مكتبًا يُدار، بحسب روايته، من قبل مسؤول جهاز جمع الأموال في حماس عصام حشان، إلى جانب عناصر آخرين تابعين للشبكة.
وأضاف الجيش أن هذه المنظومة عملت خلال الحرب على جمع مئات ملايين الدولارات من أنحاء مختلفة من العالم، بهدف تمويل أنشطة الحركة، وشراء وسائل قتالية، ودفع رواتب عناصر جناحها العسكري.
ويشير هذا الاستهداف إلى أن إسرائيل لم تعد تحصر عملياتها في البنى العسكرية المباشرة، بل باتت تلاحق أيضًا الشبكات المالية واللوجستية التي ترى أنها تشكل جزءًا من قدرة حماس على إعادة تنظيم نفسها خارج غزة.
وتزامنت الضربة مع واحدة من أعنف موجات القصف التي يشهدها لبنان منذ استئناف التصعيد، في ظل اتساع الغارات على بيروت والجنوب والشرق، وسقوط أكثر من مئتي قتيل خلال أيام، فضلًا عن نزوح مئات الآلاف.
ويرى مراقبون أن استهداف مكتب مالي في لبنان يوسع مفهوم الحرب نفسها، إذ لم يعد الخطر مرتبطًا فقط بالصواريخ أو مواقع الفصائل المسلحة، بل أيضًا بكل بنية تنظيمية أو لوجستية يمكن أن تصنفها إسرائيل ضمن البنية التشغيلية لحماس.
وفي هذا السياق، يعود إلى الواجهة الجدل اللبناني حول حدود وجود الفصائل الفلسطينية المسلحة أو المنظمة على الأراضي اللبنانية، خصوصًا في ظل تحذيرات رسمية سابقة من أن أي نشاط ينطلق من داخل البلاد قد يعرّضها لردود إسرائيلية أوسع.
ففي مايو/أيار 2025، حذّر المجلس الأعلى للدفاع في لبنان حماس من استخدام الأراضي اللبنانية في أعمال تمس الأمن القومي أو السيادة، فيما شددت الرئاسة والحكومة حينها على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة ومنع جر البلاد إلى صراعات تتجاوز مؤسساتها الشرعية.
ومع استهداف مكتب منسوب إلى حماس، يزداد هذا السؤال إلحاحًا: هل تملك الدولة اللبنانية القدرة على ضبط هذا النوع من البنى غير العسكرية، أم أن اتساع المساحات الخارجة عن سيطرتها يفتح الباب أمام مزيد من الضربات؟
وفي بلد يعيش أصلًا تحت ضغط النزوح وأوامر الإخلاء والقصف واسع النطاق، ينظر كثيرون إلى هذه الضربة باعتبارها مؤشرًا على مرحلة أكثر تعقيدًا، قد يصبح فيها كل وجود تنظيمي أو مالي خارج إطار الدولة مبررًا إضافيًا للاستهداف.
وفي المحصلة، لا تعكس ضربة مكتب التمويل مجرد تطور ميداني، بل تكشف تحولًا في منطق الاستهداف الإسرائيلي نفسه، من ضرب البنى العسكرية المباشرة إلى ملاحقة الشبكات المالية واللوجستية المرتبطة بحماس خارج غزة. أما بالنسبة إلى لبنان، فإن الخشية لا تتعلق بالضربة الأخيرة وحدها، بل بما قد تعنيه من اتساع إضافي لجغرافيا الحرب ومعانيها.




