في أعقاب موجة التصعيد العسكري الإسرائيلي المستمرة التي تضرب لبنان منذ مطلع آذار/مارس، وما رافقها من دمار واسع في الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق الجنوب والبقاع، يبدو أن حزب الله يواجه أزمة شرعية داخلية هي الأعمق في تاريخه.

فقرار الحزب شن هجوم بالصواريخ والمسيّرات على شمال إسرائيل ردًا على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي لم يُقابَل هذه المرة بتضامن شعبي واسع كما جرت العادة، بل أطلق موجة غضب لبنانية عارمة اتهمت الحزب بجرّ البلاد إلى حرب لا يقوى على مواجهة تبعاتها، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي.

ولم تقتصر أصوات الانتقاد والاستهجان على الأوساط السياسية المعارضة تقليديًا للحزب، بل امتدت إلى داخل البيئة الشيعية نفسها. وأفادت تقارير إعلامية بأن رئيس مجلس النواب نبيه بري، الحليف الأبرز لحزب الله ضمن المعادلة الشيعية، شعر بأن الحزب أخلف وعده بعدم إعادة إشعال المواجهة مع إسرائيل، ما أضعف تحالفهما التاريخي. كما نقلت مصادر أن معظم القيادات السياسية داخل الحزب لم تكن مطّلعة على قرار الهجوم مسبقًا، ما خلّف حالة من الارتباك حتى في صفوف الحزب نفسه.

وفي خطوة غير مسبوقة، أعلن رئيس الوزراء نواف سلام حظر جميع الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، واصفًا هجوم الحزب بأنه "عمل غير مسؤول" يعرّض أمن لبنان للخطر ويمنح إسرائيل ذرائع لتوسيع عدوانها. وحظي القرار بدعم واسع داخل مجلس الوزراء، بل وبتأييد بري نفسه، في ما اعتبره مراقبون تحولًا نوعيًا في موازين القوى الداخلية.

وكان رئيس الجمهورية جوزيف عون قد أبلغ سفراء الخماسية الدولية أن قرارات الحكومة اللبنانية بحظر أي نشاط عسكري وأمني لحزب الله واعتباره خارج القانون، هي قرارات سيادية لا رجوع عنها، وأن الجيش اللبناني مكلّف بتنفيذها.

ويرى عماد سلامي، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الأمريكية، أن تنفيذ قرار نزع سلاح حزب الله بات أكثر واقعية اليوم مقارنة بالسنوات السابقة، لأن القرار يحظى بدعم وطني واسع يشمل حتى الفضاء السياسي الشيعي. ويضيف أن تصويت حركة أمل لصالح القرار يشير إلى أن مسألة حصرية السلاح بيد الدولة لم تعد تُقرأ كمطلب طائفي أو معادٍ للمقاومة، بل كضرورة لتحقيق استقرار الدولة في ظل الانهيار الاقتصادي والتصعيد الإقليمي.

غير أن الحزب رد على القرار بتحدٍّ صريح، مواصلًا شن هجمات على مواقع عسكرية إسرائيلية في اليوم التالي لإعلان الحظر. واعتبر الحزب في بيانه أنه يتفهّم "عجز الحكومة"، لكنه لا يقبل بإجراءات "عدائية ضد اللبنانيين الرافضين" لذلك.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تصدّرت الانتقادات الموجّهة إلى الحزب المشهد، حيث اتهمه مواطنون بوضع مصالح إيران فوق أمن لبنان واستقراره، في حين بدا خطابه عن "النصر" و"الصمود" منفصلًا عن واقع يعيشه عشرات الآلاف من النازحين.

وبحسب الحكومة اللبنانية، تجاوز عدد النازحين المسجّلين في مراكز الإيواء 85 ألف شخص، وهو رقم مرشّح للارتفاع، فيما تحوّلت المدارس إلى ملاجئ، وتعطّلت الحياة اليومية في مناطق واسعة.

وشهد لبنان مشاهد مؤلمة لعائلات فرّت في ساعات الفجر الأولى دون أن تتمكّن من حمل ممتلكاتها، في تكرار لمشاهد حرب 2024 التي لم تندمل جراحها بعد.

ويبدو أن الفجوة بين حزب الله والشارع اللبناني آخذة في الاتساع، حتى داخل بيئته التقليدية. فقد نقلت شبكة "بي بي إس" الأمريكية عن أحد النازحين من جنوب لبنان قوله إن "الناس تعبوا"، مشيرًا إلى أن عائلته نُزحت للمرة الثانية خلال عامين. وتعكس هذه الشهادات شعورًا متناميًا بأن كلفة الخيارات العسكرية للحزب يدفعها المواطنون وحدهم، من دون أن يكون لهم رأي فيها.

وفي ظل هذا المشهد، يبدو المستقبل السياسي والعسكري لحزب الله أكثر غموضًا من أي وقت مضى. فالحزب الذي خرج من حربه الأخيرة بخسائر فادحة في قياداته وبنيته العسكرية، وفقد خط إمداده البري عبر سوريا بعد سقوط نظام الأسد، يجد نفسه اليوم محاصرًا بين ضغوط إسرائيلية متصاعدة من الخارج، وعزلة داخلية غير مسبوقة.