تتنامى حالة السخط الشعبي في لبنان مع تصاعد وتيرة الضربات الإسرائيلية على جنوب البلاد، وما يرافقها من اتساع لموجات النزوح وتزايد الكلفة البشرية والمادية، وتنامي أصوات لبنانية تعتبر أن البلاد تُدفع مرة أخرى إلى مواجهة تتجاوز حساباتها الداخلية.
وفي بيروت، يتزايد الحديث عن أن العبء لم يعد يقع على بلدات الجنوب وحدها، بل بات يضغط على الدولة نفسها، وعلى تماسك المعادلة السياسية التي كانت تؤمّن لحزب الله هامش حركة واسعًا داخل النظام اللبناني.
وجاء هذا التحول بعد هجوم نفذه حزب الله على إسرائيل، قال إنه رد على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، وهو ما تبعته غارات إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في الجنوب، بينما تحدثت تقارير عن موجة نزوح واسعة ومخاوف من أزمة إنسانية مع فرار أعداد كبيرة من السكان من الجنوب والضاحية الجنوبية.
وفي الشهادات المتداولة من طريق النزوح، بدا الغضب ممزوجًا بالصدمة والإنهاك. فالعائلات التي غادرت في ساعات الفجر الأولى، بعد أوامر الإخلاء والإنذارات، وجدت نفسها أمام رحلة جديدة لا قدرة لها على تحملها نفسيًا أو ماديًا. وامتدت الرحلة، في بعض الحالات، لساعات طويلة، وسط زحمة خانقة على الطرق المؤدية إلى صيدا وبيروت، فيما بحث كثيرون عن أي مأوى متاح للأطفال والنساء وكبار السن.
وفي هذا السياق، عبّرت أصوات من الجنوب عن شعور متزايد بأن الوعود السابقة بعدم الانخراط في الحرب انهارت سريعًا تحت وقع التصعيد.
وقالت إحدى السيدات النازحات: "ليس في يدنا حيلة"، متسائلة: "إلى أين سنذهب؟ إلى المدارس مجددًا؟"، في إشارة إلى تجربة نزوح سابقة تركت آثارًا قاسية على العائلات. كما لخّصت سيدة أخرى شعورًا متكررًا بين كثير من النازحين بقولها: "نحن منسيون والدولة لا تسأل عنا".
هذا المناخ الإنساني القاسي انعكس سريعًا على المزاج السياسي. فبحسب المعطيات المتداولة، لم يعد الاعتراض على إقحام لبنان في معارك الإقليم مقتصرًا على خصوم حزب الله التقليديين، بل بات يمتد إلى شرائح أوسع، بما فيها بيئات كانت أقل ميلًا إلى انتقاده علنًا.
وبرز في هذا السياق شعور متنامٍ بأن الحزب فتح جبهة جديدة في لحظة داخلية شديدة الهشاشة، وأن كلفة هذا القرار يدفعها سكان الجنوب أولًا، لا من اتخذوه.
وفي روايات النزوح المتداولة، كان لافتًا أن بعض الأصوات لم تُخفِ رفضها الصريح للحرب. وقال أحد النازحين: "نحن لا نريد الحرب، ولم نخترها"، في تعبير يختصر مزاجًا آخذًا في الاتساع بين أناس عادوا بالكاد إلى قراهم بعد جولات سابقة من القتال، قبل أن يجدوا أنفسهم مرة أخرى أمام النزوح ذاته، والخوف ذاته، والمصير المفتوح ذاته. وذهبت أصوات أخرى إلى اعتبار أن الحزب لم يرد على الاعتداءات اليومية التي طالت أبناء الجنوب بقدر ما زجّهم في مواجهة جديدة مرتبطة بحسابات تتجاوزهم.
هذا التحول في المزاج الشعبي ترافق مع اتساع الفجوة بين الحزب والسلطة التنفيذية. فقد أعلن رئيس الوزراء نواف سلام حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، مؤكدًا أن أي عمل عسكري أو أمني ينطلق من الأراضي اللبنانية خارج إطار المؤسسات الشرعية يُعد غير قانوني، وأن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى بيد الدولة. وردّ حزب الله على القرار باعتباره غير مبرر، في مؤشر إلى اتساع التباعد بين الطرفين في لحظة شديدة الحساسية أمنيًا وسياسيًا.
وفي موازاة القرار الحكومي، ارتفعت أصوات نيابية لبنانية تطالب بالانتقال من الإعلانات السياسية إلى خطوات تنفيذية واضحة، معتبرة أن المشكلة لم تعد في ضربة أو رد ميداني فقط، بل في استمرار وجود قوة مسلحة قادرة على ربط لبنان بحسابات إقليمية لا تتحكم بها مؤسسات الدولة. وفي هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح محصورًا في حدود التصعيد العسكري، بل في ما إذا كان لبنان قادرًا فعلًا على منع تحوله مجددًا إلى ساحة تُدار وفق أولويات خارجية.
ولا يبدو الجدل الدائر في لبنان محصورًا في تقييم خيارات حزب الله العسكرية، بل في سؤال أوسع يتصل بموقع الحزب نفسه داخل الدولة، وحدود قدرته على الاستمرار في الجمع بين منطق التنظيم المسلح ومنطق الشراكة السياسية.
وبين الغارات، والنزوح، والانتقادات النيابية، والامتعاض المتزايد داخل شرائح من بيئته التقليدية، يتسع الإحساس داخل لبنان بأن كلفة الارتباط بطهران باتت أعلى من قدرة البلاد على الاحتمال، وأن العبء الأكبر من هذه المعادلة يقع مرة أخرى على أهل الجنوب.





