يتزايد الجدل في لبنان حول تداعيات انخراط حزب الله في موجة التصعيد التي تشهدها المنطقة، وسط تحذيرات من أن خطورة تبعات أي حرب جديدة مع إسرائيل لا تقتصر على الحزب نفسه، بل تمتد إلى أمن الدولة اللبنانية واستقرارها الداخلي، في وقت تتسع فيه الضربات والتحذيرات وموجات النزوح.
ووفق وكالة رويترز، أدى قرار حزب الله المشاركة في الحرب دعماً لإيران إلى تعميق حالة الانقسام الداخلي في لبنان وفتح شرخ مع حليف سياسي داخلي بارز هو حركة “أمل”، في ظل تصاعد الانتقادات لدور الحزب بوصفه طرفاً مسلحاً خارج مؤسسات الدولة.
ويربط محللون هذه التطورات بسياق إقليمي أوسع، إذ يُنظر إلى حزب الله بوصفه جزءاً من محور تدعمه إيران ويضم أيضاً حركة حماس، ما يجعل قرار التصعيد مرتبطاً بحسابات تتجاوز الاعتبارات اللبنانية الداخلية، وفق تقديرات متداولة في تقارير وتحليلات إعلامية.
وفي هذا الإطار، يحذر محللون لبنانيون من أن دعم الحزب لطهران وحماس لا يعرّضه وحده للخطر، بل يضع الدولة اللبنانية نفسها في دائرة الاستهداف والتداعيات، باعتبار أن أي توسيع للقتال قد يُترجم على شكل ضربات وإخلاءات ونزوح، وتراجع في قدرة المؤسسات على ضبط الأمن وتقديم الخدمات.
ويقول محللون للشأن اللبناني إن المشكلة في التعامل مع حزب الله تتجاوز “قراره العسكري” المرتبط بطهران إلى مسألة سيادة وقرار حرب وسِلم، إذ يُخشى أن يتحول لبنان إلى ساحة اشتباك تُدار وفق أولويات إقليمية لا تراعي كلفة الداخل اللبناني.
وكان رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام قد أعلن أن الحكومة قررت حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، واعتبار أي نشاط مسلح خارج مؤسسات الدولة غير قانوني، في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة على هذا المستوى. ومع صدور القرار، انفتح سجال واسع حول توقيته وإمكان تطبيقه، وسط مطالبات بأن يتحول إلى إجراءات تنفيذية واضحة تمنع تكرار إطلاق الصواريخ وتجنب البلاد مزيداً من التدهور.
وفي هذا المناخ المشحون، وصفت النائب سينتيا زرازير إطلاق الصواريخ بأنه “عمل إرهابي”، معتبرة أن الحزب “ورّط لبنان مرة جديدة”، وذهبت إلى أن قرار الحكومة “ضعيف وخجول” وكان يجب أن يكون “أكثر حسماً” وأن يصدر في وقت أبكر.
في المقابل، وصفت النائب الدكتورة نجاة عون القرار بأنه “جريء”، ورأت أنه يمنح الجيش اللبناني غطاءً سياسياً للشروع في خطوات عملية، لا سيما في ما يتعلق بمنع أي نشاط عسكري خارج إطار الدولة. وأضافت، وفق موقع “الحرة”، أن إطلاق الصواريخ جاء رغم تحذيرات رسمية من جرّ البلاد إلى حرب، معتبرة أن الحزب يتصرف وفق “إملاءات إيران” من دون تقدير لتداعيات الخطوة على لبنان.
أما النائب غادة أيوب فاعتبرت أن القرار “يكرّس مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة” ويضع حظراً واضحاً على النشاطين العسكري والأمني للحزب على كامل الأراضي اللبنانية، مشددة على أن الأنظار تتجه إلى آلية التنفيذ، وتحدثت عن ضرورة إجراءات تشمل مصادرة أسلحة ومنع أي عمليات نقل أو إعادة بناء للترسانة، والتصدي لأي محاولة لإطلاق صواريخ، ومحاسبة من أصدر الأوامر ومن نفّذها.
وفي موازاة ذلك، أشار رئيس تحرير موقع “جنوبية” الصحافي علي الأمين، في حديث لـ“الحرة”، إلى أن المزاج العام يشهد تحولاً ملحوظاً، ولا سيما داخل البيئة التي اعتُبرت حاضنة للحزب، بعد أن “انقلبت معادلة الأمان” إلى مصدر قلق وخوف، لافتاً إلى ارتفاع الانتقادات إلى مستويات غير مسبوقة عقب إطلاق الصواريخ وما تلاه من ردود إسرائيلية ونزوح ومخاوف جدية من اتساع العمليات.
ويحذر اقتصاديون من أن أي مواجهة طويلة قد تُفاقم وضعاً مالياً هشاً أساساً، عبر ضرب حركة الأعمال والسياحة والتجارة وزيادة كلفة النزوح والإيواء وتعطل قطاعات إنتاجية، ما يضع الأسر أمام مخاطر فقدان الدخل واتساع البطالة. وتستحضر هذه المخاوف تقديرات سابقة للبنك الدولي عن كلفة الحرب الماضية على لبنان، في مؤشر على محدودية قدرة البلاد على تحمّل جولة جديدة “غير مسبوقة” من حيث الضغط المدني والخسائر الاقتصادية.
وفي المقابل، رفض حزب الله قرار الحظر واعتبره غير مبرر، وفق ما نقلته تقارير إعلامية، ما يزيد المخاوف من أن يتحول الخلاف السياسي إلى أزمة داخلية أعمق إذا طال أمد المواجهة واستمرت موجات النزوح والضغط المعيشي.
ومع تزايد مشاهد النزوح وتراجع الإحساس بالأمان، يعبر لبنانيون عن مخاوف على مستقبلهم، وسط قناعة متنامية لدى شرائح مختلفة بأن استمرار الانخراط في مواجهة مفتوحة قد يسرّع تفكك الدولة ويعمّق الانقسام الداخلي.




