تتواصل حالة الغموض التي تكتنف مسار ما بعد الحرب في قطاع غزة، في ظل تعثّر الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتباين الطروحات بشأن شكل الإدارة الأمنية والسياسية للقطاع في المرحلة المقبلة.

وبين حديث متكرر عن مشاريع إنسانية وخطط لإعادة الإعمار، يجد مئات آلاف الغزيين أنفسهم أمام واقع ميداني لم يتغير كثيرًا، حيث ما يزال الدمار العنوان الأبرز في مساحات واسعة من القطاع.

ومع مرور الأسابيع على سريان الهدنة، بدأ عدد من السكان تدريجيًا بمحاولات العودة إلى أحيائهم التي هجّرتهم الحرب منها، مدفوعين برغبة في استعادة حياتهم الطبيعية بعيدًا عن الخيام ومراكز الإيواء. غير أن المقاطع المتداولة على نطاق واسع أظهرت حجم الصدمة التي واجهها العائدون، بعدما اكتشفوا أن منازلهم تحولت إلى ركام، وأن البنية التحتية المحيطة بها تعرضت لأضرار جسيمة، ما جعل العودة أقرب إلى تفقد أنقاض منها إلى استئناف حياة مستقرة.

وتشير تقديرات دولية إلى أن مئات الآلاف ما يزالون بلا مأوى دائم، بعدما دُمّرت منازلهم كليًا أو أصبحت غير صالحة للسكن. وفي مناطق واسعة من شمال القطاع، لا تزال شبكات المياه والصرف الصحي والطرق بحاجة إلى إعادة تأهيل شاملة، في وقت تعاني فيه البلديات من ضعف حاد في الإمكانات والموارد.

ومع تباطؤ عملية إعادة الإعمار، يبدو المزاج الشعبي في غزة مثقلًا بالإحباط، سواء تجاه حركة حماس أو تجاه القوى الدولية الراعية للاتفاق، إذ عانى الغزيون لأكثر من عامين من حرب قاسية، وإن توقفت رسميًا، فإن آثارها ما تزال تؤثر بعمق في تفاصيل حياتهم اليومية.

وتتكرر مقاطع فيديو لنازحين بعد عودتهم إلى أحيائهم المدمرة، يوجه بعضهم خلالها انتقادات لقيادة حماس، معتبرين أن هناك تقصيرًا في متابعة أوضاع السكان أو تسريع خطوات التعافي. ويرى المحلل السياسي الفلسطيني حسن سوالمة أن هذه المشاهد تعكس حالة احتقان متنامية في الشارع الغزي، فيما يعتبرها آخرون تعبيرًا طبيعيًا عن صدمة جماعية في ظل حجم الخسائر غير المسبوق.

في المقابل، يعلّق كثير من الغزيين آمالًا على الجهود الدولية الرامية إلى تسريع عملية إعادة الإعمار، وسط أحاديث عن مبادرات ومشاريع قيد البحث لمعالجة الأزمة السكانية والإنسانية التي خلّفتها الحرب، لا سيما في جنوب القطاع. إلا أن غياب إطار سياسي واضح للمرحلة المقبلة، واستمرار الجدل حول الترتيبات الأمنية، يطرحان تساؤلات جدية بشأن قدرة هذه الخطط على الانتقال من مستوى الطرح النظري إلى التنفيذ الفعلي.

وبين خيار العودة إلى منازل مهدمة أو البقاء في مساكن مؤقتة طال أمدها، يعيش سكان غزة مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، تختلط فيها الرغبة في استعادة الحياة الطبيعية بواقع دمار واسع، فيما يبقى مستقبل إعادة البناء مرهونًا بتفاهمات سياسية لم تتبلور بعد.