فرحة حذرة ممزوجة بقلق عميق تسود أوساطًا واسعة في قطاع غزة، في ظل التطورات الإنسانية الأخيرة المرتبطة باستمرار فتح معبر رفح بشكل محدود، وما رافقها من قصص أمل للمرضى والجرحى، تقابلها أسئلة ثقيلة حول المستقبل، والقدرة على النجاة في واقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم.

وشكّل عبور عشرات الحالات للعلاج خارج القطاع بارقة أمل بعد شهور طويلة من الانتظار، إذ أعادت هذه اللحظات الإنسانية تسليط الضوء على عمق الأزمة المعيشية التي يعيشها الغزيون، ليس فقط على مستوى المدنيين، بل داخل البنى التنظيمية نفسها، حيث باتت الضائقة الاقتصادية تضرب الجميع بلا استثناء.

ويعيش أكثر من 80 بالمئة من سكان قطاع غزة تحت خط الفقر، فيما ضاعفت انعكاسات الحرب الإسرائيلية من حالة الركود الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة.

وتكشف مصادر من داخل القطاع أن حالة الانهيار الاقتصادي طالت مختلف الفئات، بما في ذلك عناصر حركة حماس، حيث يضطر بعض العناصر الميدانيين، في ظل انقطاع الموارد وتآكل القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية، إلى اللجوء إلى خطوات وُصفت بـ«القاسية»، شملت بيع أسلحة خفيفة وذخائر، وحتى معدات اتصال عسكرية، مقابل مبالغ نقدية تساعدهم على مواجهة أعباء الحياة اليومية.

وبحسب هذه المصادر، تُجرى بعض عمليات البيع عبر وسطاء محليين، في محاولة لإخفاء هوية البائعين وتجنّب المساءلة التنظيمية، في مشهد يعكس حجم الإنهاك الاقتصادي والنفسي الذي يعيشه عناصر الحركة على الأرض، ويكشف في الوقت ذاته فجوة متسعة بين خطاب القيادة العليا، التي لا تزال تحرص على إظهار التماسك والقوة، وواقع القاعدة التنظيمية الغارقة في تفاصيل البقاء اليومي.

وتقول المصادر إن هذه الظاهرة، وإن بقيت محصورة ضمن نطاق ضيق، إلا أنها باتت معروفة في بعض الأوساط، وتعكس تحوّلًا خطيرًا في سلم الأولويات، حيث يتقدّم تأمين الغذاء والإيجار والدواء على أي اعتبارات تنظيمية أو أيديولوجية، في ظل شعور متزايد بأن سنوات الحرب والحصار استنزفت ما تبقّى من هوامش الصمود.

ويتزامن ذلك مع تصاعد الحديث عن مشاريع مستقبلية محتملة، من بينها خطط دولية وأميركية لإقامة مدن جديدة في غزة، وهو طرح يثير اهتمامًا لافتًا لدى شرائح من السكان، الباحثين عن أي أفق مختلف بعد سنوات طويلة من الدمار والركود.

وبالنسبة لكثير من الغزيين، لا يُنظر إلى هذه المشاريع بوصفها مجرد مخططات عمرانية، بل كفرصة نادرة لإعادة بناء حياة شبه طبيعية، وتوفير فرص عمل، وبنية تحتية، ومساحات للعيش بعيدًا عن منطق الطوارئ الدائم. غير أن هذا الأمل يبقى مشوبًا بتساؤلات حادة حول الجهة التي ستدير هذه المشاريع، وما إذا كانت ستُنفّذ خارج إطار السيطرة الفصائلية، أم ستُعاد إنتاج أنماط الحكم نفسها التي ارتبطت في أذهان كثيرين بالجمود والفشل.

ويرى مراقبون أن تزامن فتح معبر رفح، وتزايد المؤشرات على أزمة داخلية في بنية حركة حماس، وطرح مشاريع كبرى لمستقبل غزة، يعكس مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية مع التآكل التنظيمي، وتتصاعد خلالها تطلعات شعبية إلى واقع مختلف، حتى وإن بدا بعيد المنال.