أثار قرار حركة حماس تأجيل المرحلة الثانية من انتخاباتها الداخلية، والخاصة باستكمال تشكيل مجلس الشورى العام وانتخاب المكتب السياسي الجديد، حالةً من الترقب داخل الأوساط الفلسطينية، في وقت تمر فيه الحركة بمرحلة شديدة الحساسية بعد الحرب، وما خلّفته من خسائر بشرية وتنظيمية واسعة.
وكانت حماس قد أتمّت الانتخابات التنظيمية داخل قطاع غزة، بهدف سدّ الفراغات الناتجة عن عمليات الاغتيال، واختيار مجلس شورى جديد لإدارة شؤون الحركة في القطاع. غير أن العملية لم تُستكمل في ساحات أخرى، لا سيما الضفة الغربية والسجون الإسرائيلية وبعض دوائر الخارج، حيث حالت الظروف الأمنية والتنظيمية دون إجراء الانتخابات بالوتيرة نفسها، ما عطّل الوصول إلى المرحلة النهائية من الاستحقاق الانتخابي.
ويعزو مقرّبون من الحركة هذا التعطيل، جزئيًا، إلى الواقع الأمني المعقّد الذي لا يزال يفرض نفسه بقوة على عملها. فاستمرار سياسة الملاحقة والاستهداف، حتى في فترات التهدئة، دفع حماس إلى تقليص نشاطها العلني والعودة إلى أنماط تنظيمية أكثر سرّية، الأمر الذي يجعل تنظيم انتخابات شاملة ومترابطة أمرًا بالغ الصعوبة في المرحلة الحالية.
وتقف حماس اليوم أمام حالة من الضبابية السياسية، تتعلق بدورها في المرحلة المقبلة، سواء في قطاع غزة، أو ضمن أي ترتيبات فلسطينية داخلية محتملة، في ظل حديث متزايد عن استحقاقات سياسية وانتخابية أوسع على الساحة الفلسطينية، قد تُقصى الحركة عنها بفعل ضغوط دولية.
وتبرز المنافسة المؤجلة على قيادة الحركة، والتي تتمحور أساسًا بين شقّين رئيسيين داخل حماس. الشق الأول يرتبط باسم خالد مشعل، ويُنظر إليه باعتباره أقرب إلى مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على تعزيز العلاقات مع عدد من الدول العربية، وإعادة ترتيب حضور الحركة الإقليمي ضمن حسابات سياسية أوسع، مستندًا إلى إرث حماس وعلاقتها الفكرية مع جماعة الإخوان المسلمين.
في المقابل، يمثل خليل الحيّة توجّهًا يركّز على الاستمرارية، وتعميق العلاقة مع إيران، والحفاظ على نهج أكثر تشددًا في التعاطي مع الصراع مع إسرائيل، باعتبار أن هذا الخيار يضمن، من وجهة نظر أنصاره، استمرار الدعم السياسي والعسكري، في مرحلة لا تزال فيها المواجهة مفتوحة، وإن بأشكال مختلفة.
ويرى مراقبون أن تأجيل المرحلة الثانية من الانتخابات يمنح الحركة وقتًا إضافيًا لإعادة ترتيب توازناتها الداخلية، وتجنّب حسم مبكر قد يكرّس انقسامات داخلية، في لحظة لم تتضح فيها بعد ملامح المشهد الفلسطيني والإقليمي. فاختيار القيادة المقبلة لا يتعلق بالأسماء فقط، بل بالمسار السياسي والتنظيمي الذي ستسلكه حماس في السنوات القادمة.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحركة أمام معادلة معقّدة تجمع بين ضغوط الأمن، وإكراهات السياسة، وحساسية التوقيت، حيث تواجه قيادة حماس واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخها، وسط استمرار الضغوط الدولية، وتفاقم الضغط الداخلي للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب ، في ظل مؤشرات على تراجع القدرات الميدانية للحركة، وتحولات جذرية في المشهد الإقليمي.





