تتواصل حالة الغموض التي تكتنف مسار ما بعد الحرب في قطاع غزة، في ظل تعثّر الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار المبرم برعاية أميركية، وتصاعد الخلافات حول شكل الترتيبات الأمنية والسياسية المفترضة للمرحلة المقبلة.
وتُصرّ إسرائيل على طرح شروطها المتعلقة بنزع كامل سلاح حركة حماس داخل غزة، فيما تحاول الإدارة الأميركية الدفع بمقاربات بديلة لإدارة الواقع الحالي في القطاع، إلى حين التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.

وأشارت تقارير إعلامية أميركية إلى نية واشنطن دعم خطة لإقامة «مدينة إنسانية» في منطقة رفح جنوب القطاع، تُقدَّم بوصفها نموذجًا لمعالجة الأزمة السكانية والإنسانية التي خلّفتها الحرب.
ويُعوّل عدد من الغزيين آمالًا كبيرة على الجهود الدولية لتسريع عملية إعادة الإعمار في غزة، بعد حرب دفع المدنيون فيها الثمن الأغلى من حاضرهم ومستقبلهم.

وبحسب صحيفة «هآرتس» العبرية، فإن الجيش الإسرائيلي باشر خلال الأشهر الماضية أعمال تجريف وتسوية في مناطق تقع شمال وشرق مدينة رفح، في إطار استعدادات ميدانية يُعتقد أنها مرتبطة بإقامة مدينة جديدة يُخطط لأن تستوعب نحو 20 ألف فلسطيني في مرحلتها الأولى. وتشير التقديرات إلى أن هذه التحركات استندت إلى معطيات ميدانية وصور أقمار صناعية، دون صدور قرار سياسي نهائي يحدد طبيعة المشروع أو توقيته.

وتنقل الصحيفة عن مصادر أمنية إسرائيلية أن القيادة السياسية لم تُصدر تعليمات واضحة بالانسحاب الفعلي من تلك المناطق حتى الآن، أو بالانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، ما يعكس، وفق التقديرات، حالة تريّث أو تباين داخل المستويين السياسي والعسكري حول كيفية إدارة المرحلة المقبلة في غزة.

في المقابل، يُسوَّق المشروع في بعض الدوائر الدولية على أنه فرصة لإحداث تحوّل نوعي في الواقع الإنساني بالقطاع، من خلال إنشاء نموذج عمراني جديد يركّز على توفير الأمن والخدمات الأساسية، وتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للسكان الذين أنهكتهم الحرب.
ويرى مراقبون أن نجاح مثل هذا النموذج، في حال توفر التمويل والتوافق الدولي، قد يشكّل مدخلًا حقيقيًا لإعادة تأهيل غزة بعد سنوات من الفقر والصراع، ويفتح الباب أمام مقاربات تنموية طويلة الأمد.

في المقابل، يرى المحلل السياسي الفلسطيني حسن سوالمة أن التركيز على الحلول المكانية والإنسانية وحدها، دون معالجة جذور الصراع، يعيد إنتاج منطق «إدارة الأزمة» بدل حلّها.
ويشير سوالمة إلى أن أي حديث عن إعادة إعمار أو تنمية مستدامة يبقى هشًا ما لم يُقترن بتسوية سياسية واضحة، تضمن وحدة الجغرافيا الفلسطينية وحقوق السكان.

وفي المحصلة، وبينما تُقدَّم خطة المدينة الإنسانية في رفح كفرصة لتحسين الواقع المعيشي واحتواء الكارثة الإنسانية، يبقى نجاحها مرهونًا بجملة من الشروط المعقّدة، في مقدمتها التوافق الدولي، وضمان عدم تحوّلها إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع السكاني أو فرض ترتيبات دائمة خارج الإرادة الفلسطينية.