جدد الرئيس الفلسطيني محمود عباس التأكيد على المضي قدمًا في تنفيذ برنامج إصلاحي وطني، معتبرًا أن المرحلة الراهنة التي تمرّ بها القضية الفلسطينية تفرض أعلى درجات المسؤولية الوطنية، ومحذرًا من حملات التحريض وتشويه الحقائق على بعض منصّات التواصل الاجتماعي، لما تُشكّله من خطر على الوحدة الوطنية.

وشهدت مدن عدّة في الضفة الغربية، خلال الأسابيع الماضية، موجة احتجاجات على خلفية إعلان القيادة الفلسطينية إدخال تعديلات جوهرية على آلية صرف المخصصات المالية لعائلات الأسرى والشهداء والجرحى، في خطوة أعادت إلى الواجهة أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد الفلسطيني الداخلي.

وتشير السلطة إلى أن نقل إدارة المخصصات المالية لعائلات الأسرى والشهداء إلى المؤسسة الفلسطينية للتمكين الاقتصادي «تمكين» يهدف إلى توحيد منظومة الحماية الاجتماعية وضمان العدالة والشفافية في توزيع الدعم، من دون المساس بكرامة المستفيدين أو حقوقهم.

وبموجب التعديلات الجديدة، لم تعد قيمة المخصصات تُحدَّد وفق مدة الحكم أو سنوات الاعتقال، بل باتت مرتبطة بمعايير اجتماعية واقتصادية تأخذ في الحسبان مستوى الدخل والحاجة الفعلية، ضمن ما تصفه السلطة بإعادة تنظيم شاملة لمنظومة الحماية الاجتماعية.

وفي حين رأت عائلات الأسرى والشهداء أن الخطوة لا تحمل أبعادًا مالية فقط، بل تمسّ بجوهر العلاقة بينها وبين مؤسسات السلطة، محذّرة من تداعيات اجتماعية أوسع، برز تيار فلسطيني يدافع عن الإصلاحات، معتبرًا أن استمرار العمل بالآلية السابقة لم يعد قابلًا للاستدامة في ظل الأزمة المالية الخانقة التي تعانيها السلطة منذ سنوات.

ويشير أنصار هذا التوجه إلى أن قطاعات حيوية، وفي مقدمتها التعليم والصحة، تعمل بقدرات محدودة نتيجة شح الموارد وتأخر صرف الرواتب، ما انعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين اليومية.

ويرى هؤلاء أن إعادة توجيه جزء من الأموال نحو دعم المدارس الحكومية والمستشفيات والخدمات الاجتماعية الأساسية قد يعزز صمود المجتمع الفلسطيني على المدى الطويل، ويمنح الخطاب الفلسطيني زخمًا أكبر على الساحة الدولية، في مواجهة اتهامات طالما استُخدمت لتبرير الضغوط السياسية والمالية على السلطة.

وتأتي هذه الانقسامات في سياق ضغوط متراكمة تتعرض لها السلطة الفلسطينية منذ سنوات، لا سيما مع استمرار اقتطاع إسرائيل مبالغ من أموال المقاصة تعادل قيمة المخصصات، ما فاقم العجز المالي وحدّ من قدرة السلطة على الوفاء بالتزاماتها. كما شكّل قانون أقرّه الكونغرس الأميركي عام 2018، ربط المساعدات الدولية بوقف هذه المدفوعات، عاملًا إضافيًا في تعميق الأزمة.

ورغم وقف صرف جزء من المخصصات خلال الأشهر الماضية، لم تُفرج إسرائيل بعد عن الأموال المحتجزة، التي تُقدَّر بمليارات الدولارات، الأمر الذي زاد من تعقيد المشهد ودفع السلطة إلى المضي قدمًا في برنامج إصلاحي أوسع.

وفي هذا الإطار، أكّد الرئيس الفلسطيني محمود عباس المضي في تنفيذ إصلاحات شاملة تشمل الحوكمة المالية والإدارية، وتحديث القوانين، ومراجعة منظومة التعليم، وتعزيز الشفافية والمساءلة، مشددًا في الوقت ذاته على أن الوفاء لتضحيات الشهداء والأسرى والجرحى التزام وطني وأخلاقي لا يجوز توظيفه في المزايدات أو تأجيج الانقسام الداخلي.

وبين شارع غاضب يخشى فقدان أحد رموز الالتزام الوطني، ومؤسسة رسمية تبحث عن مخارج لأزمة مالية خانقة وضغوط دولية، يبدو أن الجدل حول المخصصات تجاوز كونه نقاشًا ماليًا، ليعكس صراعًا بين تيارات مختلفة داخل الجسم الفلسطيني.