في عملية عسكرية وصفتها الحكومة الإسرائيلية بـ"الدقيقة"، أعلن الجيش الإسرائيلي مؤخرًا استعادة جثامين ثلاثة من مواطنيه – هم الرهينتان عوفرا كيدار ويوناتان سامرانو، والجندي شاي ليفنسون – من داخل قطاع غزة.
وبذلك، ترتفع حصيلة الجثامين التي استرجعتها إسرائيل منذ بداية يونيو/حزيران إلى ثمانية، في تطور يفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز البعد العملياتي نحو تفكيك ملامح المرحلة الدقيقة التي تمر بها حركة حماس، على المستويين التنظيمي والميداني.
"إنجاز استخباراتي" أم تحوّل في ميدان السيطرة؟
رغم عدم كشف الجيش الإسرائيلي عن تفاصيل مواقع الاستعادة، فإن تكرار هذه العمليات – دون الإعلان عن اشتباكات واسعة أو خسائر معلنة – يوحي بوجود اختراق أمني داخل حماس، أو تنسيق ميداني مع أفراد أو جهات أخرى، ما يطرح علامات استفهام حول مدى تماسك الوضع الداخلي في غزة، رغم تأكيدات الحركة بأنها ما تزال تمسك بزمام الأمور.
وفيما تتحدث الرواية الإسرائيلية عن "نجاح عملياتي"، يرى مراقبون أن هذه التطورات قد تعكس تراجع قدرة حماس على حماية مواقعها الحساسة، أو على الأقل عجزها عن السيطرة الكاملة على البنية التحتية التي تُدير من خلالها ملف الأسرى – وهو الورقة التي طالما اعتُبرت رافعة استراتيجية للحركة في أي تفاوض.
لطالما عُرفت حماس بانضباطها التنظيمي، وصرامتها، خاصة فيما يتعلق بجناحها العسكري وإدارة الملفات الأمنية الحساسة. لكن فقدان جثامين رهائن بهذا الشكل يفتح الباب أمام فرضيات تتراوح بين اختراقات استخباراتية دقيقة، أو خلل داخلي ناتج عن الضغط العسكري المكثف، الذي ربما أفقد الحركة السيطرة على بعض المناطق داخل غزة.
رسائل مزدوجة في التوقيت
تأتي هذه العمليات بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، وهو ما أتاح لإسرائيل إعادة تركيز أولوياتها على ملف الرهائن، الذي يشكّل أحد أبرز محاور الضغط الشعبي والسياسي داخل المجتمع الإسرائيلي.
وقد يكون تسليط الضوء على استعادة الجثامين جزءًا من استراتيجية سياسية تهدف إلى استعادة ثقة الجمهور، خصوصًا بعد موجة من الانتقادات الداخلية بشأن إدارة الحرب، وملف الأسرى تحديدًا.
لكن الرسالة الأهم، ميدانيًا، قد تكون موجهة إلى حماس نفسها: أن الورقة الأساسية التي تراهن عليها الحركة باتت مهددة، وأن الاستمرار في التصلب بالمفاوضات لم يعد خيارًا مضمونًا، وفق تحليل المحلل السياسي حسن سوالمة.
حماس في مأزق مزدوج
لم يعد الضغط العسكري الإسرائيلي المتواصل هو التحدي الأكبر لحماس؛ فالتراجع الملحوظ في الدعم الإقليمي، خاصة من إيران المنشغلة بإعادة تموضعها بعد المواجهة الأخيرة مع إسرائيل، يتزامن مع ضغط داخلي متصاعد: من سكان غزة الذين أنهكتهم الحرب، ومن ذوي الأسرى الفلسطينيين الذين يرون في استعادة جثامين الرهائن الإسرائيليين مؤشرًا على خلل في إدارة ملفات التفاوض.
ومع إعلان إسرائيل أن 31 من الرهائن ما زالوا محتجزين في غزة وقد لقوا حتفهم، يتزايد الضغط على حماس لعدم خسارة ما تبقى من "ورقة تفاوض" استراتيجية كانت تعتمد عليها سابقًا في فرض شروطها أو تأجيل حسم الصراعات.
هل يهدد هذا مستقبل الحركة؟
رغم أن الحديث عن "سقوط" حماس لا يزال مبكرًا، إلا أن المعطيات الحالية تشير إلى أنها تمرّ بمرحلة حرجة.
ضعف السيطرة الأمنية، واستعادة جثامين رهائن دون صفقة، وتراجع الدعم الإيراني المباشر، كلها مؤشرات على اهتزاز في البنية التنظيمية للحركة.
ومع تعثّر الوساطات، وتصلّب الموقف الإسرائيلي، واستمرار القصف، تجد الحركة نفسها أمام مأزق متفاقم: إما الانخراط في مسار تفاوضي قد يفرض تنازلات ثقيلة، أو الاستمرار في المواجهة في ظل بيئة سياسية وشعبية لم تعد تمنحها الدعم الكامل، بل بدأت تعلن رفضها العلني لخياراتها.








