انتهت جولة التصعيد العسكري بين إيران وإسرائيل، وهدأت الضربات الجوية في سماء الشرق الأوسط مؤقتًا بوساطة أمريكية أوقفت حالة الاحتقان، وفتحت باب التساؤلات حول مصير التحالفات في المنطقة، وبخاصة فيما يتعلق بأذرع إيران المختلفة.
في قطاع غزة، تتكشف آثار هذه التسوية بشكل متسارع، حيث تمرّ حركة حماس بمرحلة دقيقة من التراجع النسبي في الزخم والدعم، وسط تحوّلات إقليمية قد تعيد صياغة موازين القوى في المنطقة.
من الحليف الاستراتيجي إلى الغياب المؤقت
لطالما شكّل التحالف مع طهران مظلة حيوية لحركة حماس، باعتبارها الداعم العسكري والتمويلي الأبرز، ورافعة معنوية لحركة تسيطر على غزة منذ عام 2007.
لكن المواجهة الأخيرة بين طهران وتل أبيب، بما حملته من توسّع عسكري غير مسبوق واشتباك مباشر، فرضت ـ كما يبدو ـ على إيران إعادة ترتيب أولوياتها، مركّزة على إدارة صراعها المباشر مع إسرائيل، ما أضعف ـ بحسب محلّلين ـ قدرتها على دعم حلفائها في المنطقة، ومن بينهم حماس والحوثيون وحزب الله.
غزة، التي اعتُبرت لسنوات إحدى الساحات الأمامية في محور "المقاومة"، بدت اليوم أكثر عزلة من أي وقت مضى، في ظل تفاقم الدمار، وتوسّع العمليات العسكرية الإسرائيلية، وتراجع دخول المساعدات الإنسانية. هذا الواقع الجديد دفع العديد من المراقبين إلى الحديث عن تراجع في مستوى التعاطف الشعبي مع إيران، خاصة في ظل غياب دعم ملموس للفصائل الفلسطينية خلال لحظة حرجة.
معادلة حماس الجديدة: بين الضغط والمناورة
وسط هذا المشهد المتغيّر، تجد قيادة حماس نفسها أمام معادلة متداخلة:
فمن جهة، تراجع مستوى الدعم الإيراني وتعدّد الجبهات الإقليمية يحدّان من خياراتها الاستراتيجية.
ومن جهة أخرى، يفرض الضغط الشعبي المتزايد في القطاع، في ظل المعاناة الإنسانية الحادّة، مراجعة داخلية قد تدفع الحركة إلى الانخراط في تسويات مرحلية، حتى وإن كانت بعيدة عن رؤيتها المبدئية.
مع هدوء الجبهات الكبرى، تعود القاهرة والدوحة إلى الواجهة، حاملة مشاريع تهدئة، ومبادرات لإعادة الإعمار. لكن حماس، التي سبق أن تعاملت مع هذه الوساطات بحذر، تدرك اليوم أن مساحة المناورة تضيق، وأن سقف التوقعات منخفض ما لم تحدث تحوّلات حقيقية في الموقف الإسرائيلي من القطاع.
هل تظل غزة استثناءً؟
قد يعتقد البعض أن وقف إطلاق النار بين طهران وتل أبيب سيمهّد تلقائيًا لتهدئة شاملة في غزة، إلا أن الواقع يشير إلى العكس.
فغزة، رغم ارتباطها العضوي بالمحور الإيراني، تبقى ساحة قائمة بذاتها، لها صراعاتها الخاصة، وتاريخها المركّب، وحضورها السياسي المميز.
وفي وقت ينشغل فيه الإقليم برسم خرائط تهدئة جديدة، قد تظل غزة عالقة في لحظة رمادية: لا سلم واضح، ولا حرب محسومة، بل إدارة طويلة الأمد لأزمة مفتوحة لا تجد طريقًا للحل.
يرى المحلّل السياسي حسن سوالمة أن اللحظة الحالية قد تجبر حماس على النظر خارج أدبياتها التقليدية، والبحث عن خيارات جديدة قد لا تكون مثالية، لكنها قد تُجنّب القطاع مزيدًا من الانهيار، وتحمي قيادات الحركة من سياسة الاغتيالات الإسرائيلية المستمرة.








