كورونا.. حرق جثة رضيع مسلم في سريلانكا يشعل الغضب


منذ الحادي والثلاثين من مارس ووفاة أول مسلم متأثرا بفيروس كورونا في سريلانكا، تعمِد بعض النوافذ الإعلامية إلى تحميل المجتمع المسلم لائمة تفشّي الفيروس في البلاد.

وكانت الحكومة السيرلانكية قد أصدرت قرارا بحرق جثث كل من ماتوا نتيجة إصابتهم بكوفيد 19.

ومؤخرا سلط الحرق القسري لجثة رضيع مسلم عمره 20 يوماً في سريلانكا الضوء على ذلك القرار الحكومي المثير للجدل. 

ويقول منتقدون إن القرار لا يستند إلى أساس علمي وإنه يستهدف فقط الأقلية المسلمة. 

قصة الرضيع المصاب بكورونا

شعر محمد فهيم وزوجته فاطمة شافنا بسعادة غامرة بعد مولد ابنهما شيخ في 18 نوفمبر بعد ست سنوات من الانتظار. لكن فرحتهما لم تطل.

ففي مساء 7 ديسمبر لاحظا أن الرضيع يواجه صعوبة في التنفس. فهرعا إلى أفضل مستشفى للأطفال في العاصمة السريلانكية كولومبو وهو مستشفى ليدي ريدجواي.

"أخبرونا بأن المولود في حالة خطرة ويعاني من التهاب رئوي. وفي منتصف الليل أجروا اختبار أجسام مضادة، وأخبرونا أنه مصاب بفيروس كورونا"، كما قال محمد فهيم لبي بي سي.

ثم فحص الأطباء فهيم وزوجته واتضح أن النتيجة سلبية.

"تساءلت كيف كانت نتيجة طفلي إيجابية، رغم أن نتيجة كلينا -حتى أمه التي كانت ترضعه- سلبية".

ورغم الدموع والتوسلات، طالب المسؤولون الأبوين بمغادرة المستشفى، قائلين إنهم بحاجة لإجراء المزيد من الفحوص.

وفي اليوم التالي، أُخبر الأبوان بأن رضيعهما توفي نتيجة كوفيد 19. وطالب فهيم الأطباء بإجراء اختبار المسحة الطبية PCR للتأكد من ذلك، لكنهم رفضوا.

ثم طلب منه الأطباء التوقيع على وثيقة تفيد بموافقته على حرق جثة طفله وفقاً لما ينص عليه القانون السريلانكي.

غير أن فهيم رفض، إذ يُحرم الإسلام حرق الموتى باعتباره شكلا من أشكال التشويه. كما أن المسلمين يؤمنون بالبعث بعد الموت وبأن الحرق يحول دون ذلك.

وليس فهيم وحده، فقد رفضت بعض العائلات المسلمة تسلم جثث ذويهم، تاركة للحكومة مهمة حرقها على نفقة الدولة، في حين قال كثيرون إنهم لن يتسلموا رماد أحبائهم.

ويقول فهيم إنه طالب مراراً بتسلم جثمان رضيعه لكن المسؤولين رفضوا ذلك. وفي اليوم التالي أُخبر بأن جثمان ابنه نُقل إلى المحرقة. 

ويضيف "ذهبت إلى هناك لكنني لم أدخل القاعة. كيف يمكنك أن تشاهد ابنك وهو يُحرق؟".

ادعاءات وتبريرات

يقول كبير أخصائيي علم الأوبئة في الحكومة السريلانكية، سوغاث سماراويرا، إن كل ضحايا كوفيد-19 وأولئك المشتبه في أن تكون وفاتهم جراء الإصابة به - أُحرقت جثثهم، لأن دفنها قد يتسبب في تلويث التربة.

ويشير سماراويرا إلى أن الخبراء في وزارة الصحة ينتهجون سياسة إحراق جثث قتلى كوفيد-19 من أجل خير المجتمع.

لكن نشطاء مسلمين وقيادات مجتمعية وسياسيين يطالبون الحكومة بإعادة النظر في قرار إحراق جثث قتلى كوفيد-19، ولا سيما المسلمين.

وتقول الحكومة إن الدفن يمكن أن يؤدي إلى تلوث المياه الجوفية، وفقاً لما ذكرته لجنة خبراء، لا يُعرف تشكيلها أو مؤهلاتها.

غير أن خبير الفيروسات المعروف عالميا البروفيسور مالك بايريس شكك في تلك النظرية.

وقال البروفيسور بايريس: "كوفيد 19 مرض لا ينتقل عبر الماء. ولم أر دليلا يرجح انتشاره عن طريق جثث الموتى. فالفيروس يمكن فقط أن يتكاثر داخل خلية حية. وبمجرد موت الشخص، تتراجع قدرة الفيروسات على التكاثر".

وأضاف "جثث الموتى لا تُدفن في المياه الجارية. بمجرد أن يُدفن الجثمان على عمق ستة أقدام داخل غلاف محكم، من غير المرجح أن يؤدي يؤدي إلى تلويث المياه".

البلد الوحيد 

تُعدّ سريلانكا الدولة الوحيدة بين 182 دولة عضوة في منظمة الصحة العالمية، التي تحرق جثث قتلى كوفيد-19، بحسب علي زاهر مولانا، الوزير السابق.

وقال زاهر مولانا إن المجتمع المسلم في سريلانكا يمكن أن يتقبل قرار الحكومة "إذا كان هناك دليل أو سَند علمي بأن دفن الجثث يشكل خطرا على الصحة العامة". 

ويرى قادة في هذا المجتمع أن الحكومة اتخذت قرارها في إطار "أجندة سياسية مظلمة" ترسّخ للتقسيم العرقي في البلاد.

وطالب القادة السياسيون والدينيون والمجتمعيون الذين يمثلون المسلمين الحكومة مراراً بتغيير سياسة "الحرق فقط"، وأشاروا إلى أكثر 190 دولة تسمح بدفن الموتى، إضافة إلى نصيحة منظمة الصحة العالمية.

ورُفعت المسألة إلى المحكمة العليا، غير أن تلك القضايا رُفضت دون توضيح الأسباب.

ضجة كبيرة

لم تلق الجالية المسلمة أي تعاطف، غير أن الحرق القسري للرضيع شيخ أحدث تغييرا.

فبعد فترة وجيزة من انتشار الخبر، احتشد رجال ونساء ورجال دين من مختلف العقائد ونشطاء حقوقيون وسياسيون معارضون خارج المحرقة، وربطوا أشرطة بيضاء على بوابتها. 

كما لجأ الناس إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتنديد بما حدث.

وقد اختفت الأشرطة البيضاء بين عشية وضحاها، ويعتقد أن السلطات قامت بإزالتها، لكن الغضب لم يختف.

وفي غضون ذلك، أمر رئيس الوزراء ماهيندا راجاباكسا السلطات بإيجاد أرض جافة مناسبة لدفن المتوفين جراء الإصابة بفيروس كورونا، كما قال مكتبه في بيان.

ويُعتقد أن منطقة مانار في شمال سريلانكا تعتبرها السلطات موقعا محتملا، غير أن أفراد المجتمع الإسلامي لا يرونه أمرا قابلا للتطبيق، إذ طُرد الكثيرون منهم على يد الانفصاليين التاميل عام 1990، ويخشون من أن يؤدي دفن الجثث هناك إلى مزيد من التوتر.