انتفضت عديد الأحزاب السياسية والشخصيات التونسية ضد الرئيس قيس سعيد، على خلفيّة حديث أحد مستشاريه وجود نية لإلغاء دستور 2014. 

وأعلن مستشار الرئيس التونسي، وليد الحجام، في تصريحٍ صحفيٍّ، الخميس الماضي، أنّ "هناك ميلًا لتعديل النظام السياسي في  تونس، ربما عبر استفتاءٍ"، مشيرًا إلى أنه "يُفترض تعليق الدستور وإصدار نظامٍ مؤقتٍ للسّلطات".

وأضاف الحجّام: "هناك ميلٌ لتغيير النظام السياسي الذي لا يمكن أن يتواصل. تغيير النظام يعني تغيير الدستور عبر الاستفتاء ربما. الاستفتاء يستوجب وقتًا وإعدادًا لوجستيًا".

وأكد أنّ "هذه هي خطة الرئيس، وأنها في مراحلها الأخيرة، ومن المتوقع الإعلان عنها رسميًا في وقتٍ قريبٍ". 

واستنكرت عديد الأحزاب والشخصيات الوطنية التونسية هذا التصريح، ومحاولة الرئيس قيس سعيد، التجرّؤ على الدستور الذي صادق عليه 212 نائبًا من جملة 217 نائبًا في البرلمان، في نهاية يناير/جمادي الثانية 2014، واعتبر دستورًا للجمهورية الثانية.

واعتبر أستاذ القانون الدستوري جوهر بن مبارك، أنّ " إلغاء الدستور بإرادة فردٍ لو صار فهو تواصلٌ للانقلاب واسترسالٌ فيه وليست بدايته".

واعتبر بن مبارك، أنّ إلغاء الدستور بإرادة فردٍ، لو صار، سيقوّض نهائيًا دولة القانون، وسيمكّن من الاستقرار النهائي لحكم الفرد الاعتباطي". 

وقال إنّ: "الدستور الذي سيُمليه سعيّد على المجتمع، سيكون مثل سعيّد، يكرّس فقط ما يؤمن به سعيّد، وسيصوّت له من يؤمن بسعيّد، وأفكار سعيّد، في استفتاءٍ مغشوشٍ ككلّ الاستفتاءات التي تنظّمها جمهوريات الموز المستبدة".

أما محمد أمين اليحياوي، فقد قال: "يجب التّصدّي بكل قوةٍ لهذا الدكتاتور الجديد، فإلغاء الدستور بإرادة الشخص الواحد، والفكر الواحد، والقرار الواحد، لن يفرز إلا دستورًا يلبّي رغبة ذلك الواحد في إحكام السيطرة على السلطة والرجوع بنا إلى الهيمنة والتسلّط".

وردّ الرئيس قيس سعيد، على المعارضين، في بيانٍ لرئاسة الجمهورية، متحدثًا عن السيادة، دون أن يردّ على استنكار الأحزاب لما يمكن أن يصدر عنه، جاء فيه "دحضًا لكلّ الافتراءات، وتفنيدًا لكلّ الادّعاءات، يوضّح رئيس الجمهورية أنّه أثناء لقاءاته مع سائر الوفود الأجنبية، تم التأكيد على أنّ تونس دولةٌ ذات سيادةٍ، والسّيادة فيها للشّعب، ولا مجال للتدخل في اختياراتها التي تنبع من الإرادة الشعبية".

وأضاف "لا تقبل تونس أن تكون في مقعد التلميذ الذي يتلقّى دروسًا، ثم ينتظر بعد ذلك العدد الذي سيتم إسناده إليه، أو الملاحظة التي ستدوّن في بطاقة أعداده، فسيادة الدولة التونسية واختيارات شعبها، لم تطرح أصلًا في النقاش، ولن تكون موضوع مفاوضاتٍ مع أي جهة كانت".

وعبّرت حركة النهضة عن رفضها "لما يجري تداوله من تصريحاتٍ شبه رسميةٍ، من أنّ هناك اتجاهًا لتعليق العمل بالدستور، وتغيير النظام السياسي، وربما عن طريق استفتاءٍ".

وشدّدت على رفضها "القاطع" "لمحاولات بعض الأطراف المعادية للمسار الديمقراطي، وخاصةً من بعض المقربين من رئيس الدولة، الدفع نحو خياراتٍ تنتهك قواعد الدستور الذي مثل أساس التعاقد السياسي والاجتماعي للبلاد منذ 2014، والذي حظي بتوافق جل العائلات السياسية ورضًا شعبيًا واسعًا، كما مثّل أساسًا للشرعية الانتخابية لكل المؤسسات التنفيذية والتشريعية الحالية".

وحذّر راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، من أنّ هذا التمشّي "سيؤدّي حتمًا بالنظام إلى فقدان الشرعية والعودة للحكم الفردي والتراجع عن كلّ المكتسبات الديمقراطية وضمانات الحريات وحقوق الإنسان، وعهودٍ خلت من الدساتير المسقطة وغير الديمقراطية".

أما حزب العمّال المعارض، فهو يعتبر أنّ"الاتجاه نحو تغيير النظام السياسي بقرار فرديٍ، اعتباطيٌّ دون احترام الآليات القانونية وعبر استغلال أجهزة الدولة واحتكار كامل السلطات وتجييش الرأي العام يجعل من هذه العملية خطوة متقدمة في مسار الانقلاب، وطعنًا إضافيًا لتطلعات شعبنا في نظامٍ سياسيٍّ أكثر ديمقراطيةً وشفافيةً، وتعبيرًا عن الإرادة الشعبية الحرة".

وأضاف رئيس حزب العمال، حمّة الهمامي، أنّ النظام الرئاسي "لم يكن أفضل الأنظمة، ولا أقربها إلى الديمقراطية، بل على العكس من ذلك فهو أقربها إلى الاستبداد والحكم الفردي".

من جانبه، دعا حزب التيار الديمقراطي، الرئيس قيس سعيد إلى "توضيح موقفه من هذه تصريحات مستشاره، ويذكّره بضرورة احترام الدستور والعمل ضمن فصوله التزامًا بما تعهّد به في كلمته للشعب في 25 جويلية/يوليو الماضي، وباليمين الدستورية التي أدّاها". 

واستنكر الأمين العام للحزب، غازي الشواشي، ما اعتبرها "الضّبابية التي تعتمدها رئاسة الجمهورية عبر مقاطعة الإعلام التونسي والشركاء الوطنيين مما يمسّ بحقّ التونسيات والتونسيين في المعلومة، وفي المشاركة في تقرير مصيرهم، ويفتح الباب أمام القرارات الأحادية والتدخلات الأجنبية".

وعبّر الشواشي، عن رفضه "لأيّ محاولةٍ فرديةٍ لتغيير العقد الاجتماعي واستغلال حالة الغضب المشروعة للتونسيات والتونسيين لفرض خياراتٍ سياسيةٍ لا تحظى بتوافقٍ". 

وكان رئيس الجمهورية أعلن في الخامس والعشرين من يوليو الماضي، خلال اجتماعٍ طارئٍ، جمعه مع قياداتٍ عسكريةٍ وأمنيةٍ، بقصر قرطاج، عن جملة من الإجراءات الاستثنائية، في إطار ما يسمح به الفصل 80 من الدستور، وفق تفسيره، تتمثل في إعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي، وتجميد عمل واختصاصات مجلس نواب الشعب لمدّة 30 يومًا، ورفع الحصانة البرلمانية عن كلّ أعضاء البرلمان، والاستحواذ على السلطة التنفيذية، والنيابة العمومية.

وبعد مرور شهرٍ عن التّدابير الاستثنائية، مدّد الرئيس قيس سعيد في "الفترة الاستثنائية" حتى "إشعارٍ آخر".

وتمّت المصادقة على الدستور التونسي الحاليّ، في السادس والعشرين من يناير/جمادى الثانية، من العام 2014، ونال موافقةً كبيرةً من نواب البرلمان، إذ صادق عليه 200 نائبٍ من جملة 217، واعتبر دستور الجمهورية الثانية.

وتمّ اعتماد نظامٍ سياسيٍّ يجمع بين النظاميْن البرلماني، والرئاسي.