كتب: عبد الرحمن سيد
سؤال واحد فرض نفسه بقوة على المشهد الأمريكي خلال الساعات الأخيرة: إذا كانت عودة دونالد ترامب المفاجئة إلى البيت الأبيض مرتبطة بتطور أمني في الشرق الأوسط، فمن ستكون وجهة التحرك الأمريكي المقبلة.. الحوثيين أم إيران؟.
قطع ترامب إقامته
في «كامب ديفيد» وعاد إلى البيت الأبيض قبل الموعد المقرر بيوم، في وقت كانت فيه المنطقة
تشهد تصعيدا متزامنا على مسارين الأول بين السعودية والحوثيين المدعومين من إيران،
والثاني في المواجهة الأمريكية مع طهران وحتى الآن، لم يقدم البيت الأبيض تفسيرًا رسميًا
لقرار الرئيس تقليص إجازته.
لكن توقيت العودة
يكتسب أهمية خاصة بعدما أعلنت السعودية أن الحوثيين حاولوا استهداف الرياض بصاروخ باليستي
في 19 سبتمبر، في أول هجوم من هذا النوع منذ التصعيد الأخير، بينما تحدثت تقارير عن
هجمات أخرى استهدفت مواقع داخل المملكة. وفي اليوم نفسه، أصدرت الولايات المتحدة تحذيرا
أمنيا لمواطنيها في الشرق الأوسط، دعتهم فيه إلى توخي الحذر والاستعداد لاحتمال إلغاء
رحلات وإغلاق مجالات جوية واضطرابات في حركة السفر.
ومن هنا يظهر المسار
الحوثي كأحد الاحتمالات المطروحة بقوة فواشنطن كانت تراقب خلال الأيام الماضية اتساع
المواجهة بين الرياض والحوثيين، بينما كانت إدارة ترامب تحاول تجنب الانخراط العسكري
المباشر في هذه الجبهة.
ووفق «أكسيوس»، طلب
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من ترامب في 11 سبتمبر توجيه ضربات إلى الحوثيين،
لكن الرئيس الأمريكي رفض في ذلك الوقت، مع استمرار واشنطن في تقديم معلومات استخباراتية
وبيانات استهداف للسعودية.
يضع التطور الجديد،
هذا القرار السابق أمام اختبار مختلف؛ فالهجوم على الرياض يعني أن المواجهة الحوثية-السعودية
لم تعد مجرد صراع بعيد عن واشنطن، خصوصا أن التحذير الأمريكي الأخير قال صراحة إن الصراع
يمكن أن يتصاعد بسرعة، وحذر في الوقت نفسه من احتمال استهداف مصالح أمريكية في المنطقة.
لكن إيران تبقى المسار
الآخر الأكثر حساسية فالإدارة الأمريكية تخوض أصلًا مواجهة مع طهران، وكان ترامب قد
قال لـ«أكسيوس» في 17 سبتمبر إنه يقترب من نقطة قرار بشأن الحرب، وإنه يدرس ما إذا
كان سيستأنف هجمات واسعة بهدف إنهاء الصراع.
وهنا تتقاطع الجبهتان:
واشنطن لا تتعامل مع الحوثيين باعتبارهم ملفًا منفصلًا تمامًا عن إيران، إذ تصفهم الإدارة
الأمريكية بأنهم مدعومون من طهران، بينما حذرت وزارة الخارجية الأمريكية من أن إيران
والجماعات الداعمة لها قد تستهدف مصالح أمريكية وشركات ومؤسسات مرتبطة بالولايات المتحدة
في المنطقة وخارجها.
ومع ذلك، لا توجد
حتى الآن معلومات رسمية تسمح بالقول إن عودة ترامب المبكرة تعني أن الولايات المتحدة
قررت توجيه ضربة إلى الحوثيين، كما لا يوجد إعلان يربط العودة بقرار عسكري جديد ضد
إيران. لذلك يبقى التفريق بين ما هو مؤكد وما هو محتمل ضروريا: المؤكد هو تغيير جدول
ترامب، وتصاعد القتال السعودي-الحوثي، وصدور تحذيرات أمريكية جديدة، فيما تظل طبيعة
الخطوة الأمريكية التالية غير معلنة.
وفي حال كان الملف
الحوثي هو المحرك المباشر، فإن المؤشرات ستدور حول طبيعة الرد على الهجمات التي استهدفت
السعودية، وما إذا كانت واشنطن ستنتقل من الدعم الاستخباراتي إلى تدخل عسكري مباشر،
وهو الخيار الذي كانت قد تجنبته حتى الآن. أما إذا كان التركيز على إيران، فإن عودة
ترامب تأتي في لحظة كان الرئيس نفسه قد وصفها بأنها نقطة قرار بشأن مستقبل الحرب والعمليات
الأمريكية ضد طهران.
وبين الاحتمالين،
تبدو المشكلة بالنسبة إلى واشنطن أن التصعيد في اليمن وإيران لم يعدا ملفين منفصلين
تمامًا؛ فتصاعد المواجهة مع الحوثيين يضغط على الحسابات الأمريكية في البحر الأحمر،
بينما تستمر المواجهة مع إيران في فرض حسابات أخرى على واشنطن وحلفائها.
لهذا تحديدا أصبحت
عودة ترامب من «كامب ديفيد» محط أنظار المنطقة: هل تستعد الإدارة الأمريكية لرد على
الحوثيين بعد التصعيد ضد السعودية، أم أن عينها على خطوة أكبر في المواجهة مع إيران؟
الإجابة لم تصدر بعد من البيت الأبيض، لكن التحذيرات الأمنية وتحرك الرئيس في هذا التوقيت
يجعلان أي قرار أمريكي قادم موضع متابعة وثيقة.



