كتبت – هاجر هشام
من أعماق التاريخ الحربي الأوروبي، تبعث روح آلة "إنيجما" الأسطورية في حلة رقمية مبتكرة، وهي عبارة عن ذكاء اصطناعي بثياب عسكرية، لكنها هذه المرة لا تكتفي بفك الشفرات، بل تعيد رسم ميادين المعارك قبل أن تشتعل، حيث طورت شركة SensusQ الإستونية، ضمن مشروع "العقول الرابحة"، تقنية استخباراتية متطورة تستخدم حاليًا في الخطوط الأمامية للحرب الأوكرانية، لتتنبأ بالهجمات الروسية وتجهز الدفاعات ضدها بدقة غير مسبوقة، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة "ذا صن".
ذكاء اصطناعي بثياب عسكرية
تستمد هذه الأداة إلهامها من آلة "إنيجما" التي استخدمها النازيون خلال الحرب العالمية الثانية لتشفير الرسائل، والتي فك شفرتها فريق بقيادة آلان تورينج، مما ساهم في إنقاذ ملايين الأرواح، لكن النسخة الحديثة تتجاوز حدود التشفير إلى التحليل الاستباقي، حيث تجمع كميات هائلة من البيانات من مصادر متنوعة، مثل صور الأقمار الصناعية، تقارير الطائرات المسيرة، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، وتقوم بتحويلها إلى معلومات واضحة تمكن القادة العسكريين من اتخاذ قرارات سريعة ودقيقة.
وتعتمد التقنية على فريق يجمع خبراء عسكريين واستخباراتية مع مهندسي برمجيات، لربط البيانات تلقائيًا واستخلاص أنماط تُنبئ بتحركات العدو، فإن هذا النظام لا يقتصر على مراقبة العدو، بل يتيح توقع خطواته المستقبلية، مما يعزز كفاءة استخدام الموارد العسكرية ويقلل من الأخطاء البشرية التي قد تكون مكلفة.
دعم حاسم في أوكرانيا
منذ بداية الصراع الأوكراني، أثبتت هذه الأداة فعاليتها في دعم الوحدات العسكرية وأجهزة إنفاذ القانون. يتيح النظام استيعاب كميات ضخمة من المعلومات التي كانت تُهمل سابقًا، من خلال تطبيق آمن يُستخدم ميدانيًا لتسجيل تقارير فورية عن الأنشطة العسكرية، ويضمن النظام بقاء البيانات تحت سيطرة الجهات الأوكرانية، دون وصول الشركة المطورة إليها، مما يحافظ على سرية المعلومات الحساسة.
كما تتميز الأداة بسرعة نشرها، حيث يمكن تهيئتها وتشغيلها في غضون ساعات، مما يجعلها مثالية لساحات القتال المتقلبة، في حين توفر خرائط رقمية تفاعلية تُظهر السياق الميداني، وتُحدد العلاقات بين الأطراف المتصارعة، مما يُمكن القادة من التنبؤ بالهجمات المحتملة ووضع استراتيجيات دفاعية فعالة.
كيف تُساعد تقنية "إنيجما" الجديدة أوكرانيا في مواجهة روسيا؟
يُعد الصراع الأوكراني مختبرًا فريدًا للابتكار العسكري، حيث دمجت أوكرانيا التكنولوجيا الحديثة مع تكتيكات حرب العصابات لمواجهة جيش أكبر بذكاء ومرونة، وتستفيد SensusQ من هذه التجربة لتحسين تقنيتها، التي تتاح للدول الحليفة، بما في ذلك بريطانيا، لمواجهة تهديدات مماثلة مستقبلًا، بينما تؤكد الشركة أن هدفها هو تحقيق "هيمنة اتخاذ القرار"، من خلال تمكين الحلفاء من فهم العدو بشكل أعمق مما يفهم نفسه.
ويذكر أن آلة "إنيجما" الأصلية كانت رمزًا للعبقرية الاستخباراتية، حيث اعتمدت على دوارات ميكانيكية معقدة لإنتاج شفرات بدت عصية على الفك، واليوم، تعيد نسختها الرقمية تعريف الاستخبارات الحديثة، ليس فقط بتحليل البيانات، بل بتحويل ساحات المعارك إلى مساحات يمكن التنبؤ بها وإدارتها بدقة. مع هذا الابتكار، تثبت إستونيا أنها رائدة في التقنيات العسكرية، مواصلة إرث "إنيجما" بأسلوب يليق بالعصر الرقمي.









