محمد السيد

 

تتجه تونس إلى إعادة فتح باب التوظيف في القطاع العام بعد فترة تجميد استمرت لأكثر من سبع سنوات، وهو ما يمثل انفراجة لآلاف الشباب التونسي والكفاءات الباحثة عن فرص عمل.


جاء ذلك بعد دعوة الرئيس التونسي قيس سعيد لرئيس الحكومة كمال المدوري لبدء عملية التوظيف في عدد من المرافق العمومية، في إطار تعزيز الخدمات المقدمة للمواطنين وتجديد الكوادر البشرية في المؤسسات الحكومية.

 

بدأت فترة تجميد التوظيف في الوظائف العمومية منذ عام 2017 عندما فرضت حكومة يوسف الشاهد هذا الإجراء كجزء من خطة للسيطرة على الأجور العامة والحد من الإنفاق الحكومي المتزايد.


وواصلت الحكومات المتعاقبة تثبيت هذا القرار، مما أدى إلى تراكم الضغوط على الإدارة العامة مع تصاعد مطالب الشباب بالتوظيف.

 

بحسب بيان رسمي للرئاسة التونسية، وجه الرئيس قيس سعيد تعليماته بتمويل الصناديق الاجتماعية، في خطوة تعكس التزام الدولة بتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين.


ويرى الخبراء أن هذه الخطوة تمثل بوابة جديدة لتحسين كفاءة الإدارة وتعزيز مستوى الخدمات العامة.

 

أكد الخبير الاقتصادي التونسي علي الصنهاجي أن إعادة فتح باب التوظيف يمثل خطوة إيجابية وضرورية للحد من البطالة، خاصة بين الشباب وحاملي الشهادات العليا الذين يعانون من بطالة بنسبة 23.4%.


لكنه شدد في الوقت ذاته على أهمية إصلاح الإدارة التونسية قبل أي انتدابات جديدة، مشيرا إلى ضرورة ربط عملية التوظيف بالكفاءة لضمان تحقيق أقصى درجات الفاعلية وتقليل الهدر المالي.

 

وأوضح الصنهاجي أن الإنفاق المرتفع على الأجور، الذي يمثل 13.3% من الناتج المحلي الخام و40.8% من نفقات الدولة، يشكل تحديا كبيرًا للحكومة.


ودعا إلى ديناميكية جديدة في الإدارة تعتمد على تحفيز الموظفين وتحسين أدائهم لتعزيز كفاءة العمل الحكومي.

 

من جهته، أشار الخبير الاقتصادي محسن حسن إلى أن التوظيف في القطاع العام يُعتبر حقا اقتصاديا للشباب التونسي، لكنه حذر من تأثير القرار على ميزانية الدولة، حيث ستحتاج الحكومة إلى تخصيص موارد مالية كبيرة لتمويل الانتدابات الجديدة، مما قد يؤثر على الاستثمارات الحيوية في البلاد.

 

تواجه تونس تحديات مالية كبيرة في عام 2025، إذ تحتاج إلى توفير 28 مليار دينار تونسي حوالي 9 مليارات دولار أمريكي لتغطية نفقاتها.


يأتي ذلك في ظل تضخم كتلة الأجور في القطاع العام التي ارتفعت بنسبة 16% خلال السنوات العشر الماضية، ليبلغ عدد موظفي القطاع الحكومي 663,757 موظفًا يشكلون 41% من نفقات الدولة و31% من ميزانيتها.

 

يشكل ارتفاع معدلات البطالة في تونس، التي بلغت 16% في 2024، ضغطًا متزايدًا على الحكومة لإيجاد حلول سريعة ومستدامة. ومع ذلك، تواجه الحكومة معضلة تحقيق التوازن بين تلبية احتياجات الشباب من خلال التوظيف، وضمان استقرار المالية العامة وتوجيه جزء من الموارد للاستثمار في البنية التحتية والمرافق العمومية.

 

تُعتبر دعوة الرئيس قيس سعيد لفتح باب التوظيف في القطاع العام خطوة جريئة وطموحة قد تُحدث تحولًا في سوق العمل التونسي. ومع ذلك، يبقى نجاح هذه الخطوة مرهونًا بقدرة الحكومة على تحقيق إصلاحات إدارية ومالية تضمن استدامة هذه المبادرة وتجنب الوقوع في أزمات اقتصادية جديدة.