خلال افطار رمضاني للاجئين السوريين المتواجدين في إثيوبيا، وصف أبو أحمد التعبئة الثانية لسد النهضة يوليو المقبل بمثابة قيامة إثيوبيا تشبيها بقيامة المسيح، وبالطبع قناة الجزيرة القطرية لم تتردد أو تتأخر في تلميع صورة أردوغان الحبشة، ونقل موائد الرحمن في إثيوبيا، والتحدث عن التعايش والتسامح في إثيوبيا، برغم أنها أكثر بلد في العالم ممزق ومتناحر بين مختلف مكوناته العرقية والدينية.

 

وبالتزامن صعد الرهبان الأحباش من استفزازهم السنوي المعتاد بتلك الأيام المباركة للرهبان المصريين بدير السلطان المجاور لكنيسة القيامة بالقدس بعد ان احتلوا الدير، ومنعوا دخول الرهبان المصريين، ورفعوا على بابه للمرة الأولى في التاريخ علم إثيوبيا، في رسالة واضحة لا تحمل الشك، بأن الأمر صار سياسي بحت، وان الجانب الإثيوبي صار هدفه لوي ذراع مصر أكثر من التعبئة الثانية لسد النهضة نفسه.

 

ويظهر ذلك المشهد مدى التنسيق بين الأحباش وإسرائيل، فما لذلك أن يتم دون تواطئ شرطة الإحتلال مع الأحباش، ولا يخفي على أحد أن أبي أحمد ما هو إلا دمية كحال النسخة العثمانية منه، وتم إختياره بنفس المعايير بداية من أسمه المسلم برغم أنه ليس مسلم، وصولا لتحديد مشروع قومي يلتف حوله شعبه يكون على حساب الأمن القومي العربي أيضا.

 

ولدير السلطان مكانة خاصة لدى الاقباط، فهو الدير الوحيد بالعالم الذي لم يسمى على أسم أحد قديسين أو شهداء المسيحية، بل سمي بـ "السلطان" نسبة لسلطان مصر وقائد العرب وأول خادم للحرمين الشريفين صلاح الدين الأيوبي، الذي منحهم الدير بعد تحرير بيت المقدس تكريما للاقباط المصريين الذين أنحازوا له في الدفاع عن القدس من المغتصب الغربي، حتى أن بهيكل الدير منقوشة النجمة الإسلامية، ويذكر ان الرئيس جمال عبد الناصر تبرع بخمسة آلاف جنيه لإعمار الدير حينها.

 

وكان ولا يزال ذلك الدير شاهدا على مكانته ودور رهبانه في دعم مصر منذ بناءه حتى العصر الحديث أثناء الإحتلال الصهيوني لفلسطين.

 

لذلك جاء رد البابا تواضروس العقلاني خلال كلمته بقداس عيد القيامة المجيد مساء السبت من على كرسي مارمرقس الرسول الذي كان يتبع له الأحباش قبل ان تقطع روما أوصال الجسد الأرثوذكسي عبر إحتلال الخمسة مدن غربية (ليبيا) وإثيوبيا عمق الأسكندرية الارثوذكسي، قائلا:"نحن نريد جميعا أن نعيش في حالة من السلام، وفي حالة من الرخاء والنمو، والحياة تعلمنا أن المعارك لا تأتي بأي ثمار، ونصلي دائما من أجل نهر النيل نفسه في كل قداس، واثقين أن يد الله تستطيع أن تعمل فهو ضابط الكل"

 

خلاصة القول المشاهد السابقة تؤكد أنه لم يعد هناك مجال للبحث عن حلول سلمية أو وقت للتفاوض مع أناس أراد من يحركهم محاربة مصر، ولهولاء تاريخ طويل من المحاولات لتطويق مصر وضربها في عمقها الإستراتيجي وتهديد أمنها المائي.

 

ففي عام 1959م وقعت كل من دولة الإحتلال وتركيا وإيران الشاه على اتفاقية سرية سميت بـ "الرمح الثلاثي" بهدف تطويق الوطن العربين ولمواجهة المد الناصري الذي أزعجهم بشدة، الى أن تبدل شكل الرمح الثلاثي بعد الثورة الإسلامية في إيران، كي يتم إستبدالها بإثيوبيا عام 1996م،  لضمان تقويض الوطن العربي سياسيا واقتصاديا، وفي موارده المائية أيضا.

 

ولمحاولات جذب كل من الولايات المتحدة وإسرائيل للدولة الاثيوبية ضد مصر تاريخ طويل، فمع بداية الخمسينات كانت الولايات المتحدة تعمل على صنع نظام شرق أوسطي تستطيع فيه دمج إسرائيل، بجانب صنع أنظمة تابعة لها بالإقليم كي تخوض حرب بالنيابة عنها ضد الإتحاد السوفيتي.

 

وقد جائت أول المحالاوت فى مارس 1953 عندما جاء وزير خارجية الولايات المتحدة جون فوستر دالاس الى القاهرة، لفهم عقلية النظام الجديد بمصر بعد ثورة يوليو، وهنا قال السفير الأمريكي بالقاهرة لوزير خارجية بلاده بأن الرجل القوى فى النظام الجديد هو شابا يدعى جمال عبد الناصر وليس محمد نجيب، فطلب دالاس عقد أجتماع معه، وعلى الفور عمل السفير الأمريكي على عقد ذلك الأجتماع، حتى أجتمع كلا من وزير الخارجية والسفير الأمريكي وجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، وعرض وزير الخارجية الأمريكي على عبد الناصر الإنضمام لحلف ثلاثي يضم كلا من أنقرة (الأكثر تحضرا بين العواصم الإسلامية) وكراتشي (الأكثر كثافة سكانية بين العواصم الإسلامية) والقاهرة (الأكثر عراقة بين العواصم الإسلامية).

 

فسأله عبد الناصر: وما سبب إنشاء ذلك الحلف، وسيواجه من؟

فأجابه دالاس قائلا: بتأكيد سيواجه الخطر الشيوعي.

فرد خالد العرب كيف تريد أن أرى خطراً مزعوماً على مسافة أربعة آلاف كيلومتر، ولا أرى خطراً حقيقياً على مسافة مئة كيلومتر (اسرائيل)؟

 

وهنا أنتهت مهمة دالاس بالفشل فى مصر، وبعدها عزمت الإستخبارات البريطانية والأمريكية على التخلص من جمال عبد الناصر سواء على يد أذرعها فى الداخل (جماعة الأخوان المسلمون) أو شن حروب ضارية على مصر بكافة الجبهات.

 

إلا أن اليأس لم يصيب فوستر دالاس من تنفيذ مشروعه بصنع تحالف شرق أوسطي يخضع لواشنطن، حتى جاء البديل للقاهرة فى بغداد، وتم إنشاء “حلف بغداد” عام 1955 والذى ضم بجانب المملكة المتحدة العراق وتركيا وإيران الشاه وباكستان، ولكن كان عمر “حلف بغداد” قصيرا، بعد أن أسقط عبد الكريم قاسم النظام الملكي بقيادة نوري السعيد بعد ثورة تموز 1958 التى أطاحت بالمملكة العراقية الهاشمية التي أسسها الملك فيصل الأول تحت الرعاية البريطانية.

 

وهنا أرسل بن غوريون مؤسس الكيان الصهيوني للرئيس الأمريكي أيزنهاور رسالة يقول فيها “إنه لمن الخطأ الفادح أن تفكر الولايات المتحدة بإقامة حلف في الشرق الأوسط يرتكز على أي عاصمة عربية، إن الشرق الأوسط لكي يحظى بالأستقرار وبالولاء للغرب يجب أن يرتكز على ثلاث عواصم دون غيرهم، وهم أنقرة وتل أبيب وأديس بابا“. 

ولم يخيب دوايت أيزنهاور رأي بن غوريون، وفى العام التالي من أنهيار حلف بغداد أي فى عام 1959 تم توقيع أتفاقية “الرمح الثلاثي” بين أنقرة وتل أبيب وأديس بابا، ومن حينها وذلك الرمح الثلاثي يشهر رؤوسه في وجه الأمن القومي العربي.


فادي عيد

المحلل السياسي المتخصص في شئون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا