بالتزامن مع تداول تقارير عن نية قطر تقليص استضافة القيادة السياسية لحركة حماس أو إنهائها، بسبب رفض الحركة شجب استهداف إيران لدول الخليج، بات السؤال الذي يواجه الحركة لا يقتصر على البعد الجغرافي، بل يمتد إلى بعدها السياسي أيضًا.
فالمسألة لا تتعلق بالعثور على عاصمة بديلة بقدر ما تتعلق بقدرة الحركة على الحفاظ على دورها السياسي الخارجي، في لحظة تضيق فيها المساحة الإقليمية المتاحة لها وتتراجع فيها قدرتها على المناورة بين المحاور، خاصة أن الدوحة لم تكن مجرد عنوان للمكتب السياسي.
ومنذ عام 2012، وفرت قطر لحماس ما لم توفره أي عاصمة أخرى: منصة تفاوض، وغطاءً سياسيًا، وهامش حركة دبلوماسيًا، وبيئة آمنة نسبيًا لإدارة ملفات وقف إطلاق النار وصفقات تبادل الأسرى، والتواصل مع الوسطاء والقوى الدولية. ولهذا، فإن خسارة هذا الموقع، إن حصلت، لا تعني فقدان مقر فحسب، بل فقدان الوظيفة السياسية التي ارتبطت به.
وتكشف هذه الأزمة عن مأزق أعمق من مجرد الانتقال بين العواصم. فحماس تجد نفسها اليوم أمام معادلة إقليمية أكثر قسوة من أي وقت مضى. فهي مرتبطة بعلاقة استراتيجية مع إيران، لكنها في الوقت نفسه استفادت لسنوات من استضافة قطرية ومن قنوات عربية ودولية يصعب الحفاظ عليها إذا انحازت بصورة صريحة إلى محور على حساب آخر.
ومع اتساع الحرب الإقليمية، لم يعد هذا التوازن سهلًا كما كان في السابق. بل باتت الحركة أمام ضغوط متعاكسة تجعل من الاستمرار في التموضع الرمادي أمرًا أكثر صعوبة وكلفة.
وعند النظر إلى البدائل المحتملة، يبدو كل خيار محاطًا بعوائق تجعل الانتقال إليه إما معقدًا أو عالي الكلفة سياسيًا. وتبقى تركيا الاسم الأكثر تداولًا كلما طُرح مستقبل المكتب السياسي خارج الدوحة. فالحركة تحتفظ بعلاقات وثيقة مع أنقرة، كما أن بعض قياداتها وأفراد عائلاتهم أقاموا فيها خلال السنوات الماضية. لكن هذا الخيار لا يبدو محسومًا، إذ أبدت تركيا في محطات سابقة حذرًا واضحًا من تحمّل كلفة استضافة رسمية كاملة للمكتب، خصوصًا في ظل حساسية علاقتها بالولايات المتحدة وتعقيدات المشهد الإقليمي. ولهذا قد تظل أنقرة فضاءً للعلاقات أو الإقامة الفردية، لكنها ليست بالضرورة بديلًا كاملًا ومعلنًا للدوحة.
أما سوريا، التي كانت لسنوات الحاضنة الأساسية لقيادة حماس قبل انتقالها إلى قطر، فلم تعد تبدو خيارًا جاهزًا للعودة. فالمشهد السوري تغير جذريًا، والقيادة الجديدة في دمشق تبدو منشغلة بإعادة صياغة علاقاتها العربية والدولية وفق أولويات مختلفة، ما يجعل استضافة قيادة حركة مسلحة بحجم حماس قرارًا بالغ الحساسية. وبذلك، فإن العودة إلى دمشق لم تعد استعادة لمسار قديم، بقدر ما ستكون دخولًا في بيئة سياسية جديدة لا ضمانات فيها.
ولبنان، الذي كان تاريخيًا ساحة لحضور فصائل فلسطينية مسلحة، يبدو اليوم أقرب إلى ساحة استهداف مباشر منه إلى ملاذ سياسي. فالضربات الإسرائيلية المتواصلة، واستهداف قيادات من حماس وفصائل أخرى على الأراضي اللبنانية، يجعلان منه أحد أكثر الخيارات خطورة. وفي ظل هذا الواقع، يصعب تصور أن يصبح لبنان مقرًا مستقرًا لقيادة تحتاج إلى إدارة تفاوض واتصالات سياسية علنية ومستمرة.
ويبقى الخيار الإيراني قائمًا نظريًا، لكنه قد يكون الأكثر كلفة من الناحية السياسية. فانتقال قيادة حماس إلى طهران لن يعني فقط الانتقال إلى بيئة غير مستقرة في ظل الحرب، بل سيحمل أيضًا دلالة سياسية ثقيلة قد تضر بالحركة أكثر مما تفيدها. إذ إن استقرارها في إيران سيعزز الصورة التي تحاول تجنبها في عدد من العواصم العربية، وهي أنها جزء كامل من المحور الإيراني، لا حركة فلسطينية تحتفظ بقدر من الاستقلال السياسي. كما أن الرهان على طهران في هذه اللحظة سيعني عمليًا الارتهان لحليف يواجه هو نفسه ضغوطًا غير مسبوقة.
وتُطرح أحيانًا أسماء أخرى مثل الجزائر أو ماليزيا على هامش النقاش. لكن هذه الخيارات، حتى لو بدت ممكنة من حيث العلاقة السياسية، لا توفر بالضرورة ما كانت توفره الدوحة من وزن دبلوماسي، وقرب من ملفات الوساطة، وقدرة على الجمع بين الاستضافة والأمن والاتصال الدولي. ولهذا تبدو هذه العواصم أقرب إلى محطات مساندة أو مكاتب تمثيلية، لا إلى مركز قرار بديل.
وفي ضوء هذا الانكماش، قد تجد حماس نفسها مضطرة إلى اعتماد نموذج القيادة الموزعة بين أكثر من عاصمة، بدلًا من الاستقرار في مقر مركزي واضح. لكن هذا النموذج، حتى لو بدا حلًا مؤقتًا، يحمل نقاط ضعف واضحة، إذ تكون القيادة المتنقلة أقل قدرة على التنسيق، وأضعف حضورًا في التفاوض، وأكثر هشاشة في إدارة العلاقة مع الوسطاء والمضيفين، خصوصًا إذا فقدت الغطاء السياسي الواضح الذي وفرته قطر لسنوات.
ومن هنا، فإن مأزق المكتب السياسي لا ينفصل عن المأزق الأوسع الذي تعيشه الحركة في الإقليم. فحماس لم تعد تواجه فقط سؤال أين تستقر، بل سؤال كيف تعيد تعريف موقعها بين إيران والخليج وتركيا وبقية العواصم العربية. كما أنها تواجه معضلة داخلية أيضًا، لأن أي تموضع واضح في هذا الاتجاه أو ذاك قد ينعكس على توازناتها الداخلية بين القيادة السياسية في الخارج والجناح العسكري، وعلى صورتها داخل جمهور عربي وفلسطيني منقسم أصلًا بين محاور متنافسة.
وفي المحصلة، لا تبدو أزمة حماس اليوم أزمة مقر سياسي فقط، بل أزمة بيئة إقليمية كاملة كانت تسمح لها بالتحرك بين أكثر من طرف، ثم بدأت تنغلق تدريجيًا. فالحركة التي خسرت جزءًا كبيرًا من بنيتها القيادية والعسكرية في غزة، وتراجعت هوامشها في دمشق، وازدادت حساسيتها في الخليج، وتجد نفسها تحت ضغط العلاقة مع إيران، تواجه الآن اختبارًا وجوديًا يتعلق بقدرتها على الاحتفاظ بعنوان سياسي ودور تفاوضي في آن واحد.
وإذا كانت غزة قد دفعت الكلفة الميدانية للحرب، فإن قيادة الخارج تجد نفسها اليوم أمام كلفة موازية: تقلص الجغرافيا المتاحة، وانكماش المجال الدبلوماسي، وتراجع القدرة على البقاء في المنتصف، في منطقة باتت تطلب من الجميع اصطفافًا أوضح من السابق.









