تعود قضية انتشار الجريمة والعنف داخل المجتمع العربي في إسرائيل إلى واجهة النقاش العام مع كل حادثة إطلاق نار أو جريمة قتل جديدة، في ظل شعور واسع بأن الظاهرة لم تعد مجرد أحداث فردية، بل أزمة اجتماعية وأمنية متراكمة تمتد آثارها إلى العائلات والأحياء والحياة اليومية.

وتشير أصوات محلية وحقوقية إلى أن انتشار السلاح غير القانوني، وضعف الثقة بين السكان وجهات إنفاذ القانون، وتراكم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، كلها عوامل ساهمت في اتساع دائرة العنف خلال السنوات الأخيرة.

وفي القدس الشرقية المحتلة، وخصوصًا في المناطق المكتظة مثل مخيم شعفاط وضاحية السلام وعناتا، تبدو هذه الأزمة أكثر تعقيدًا، بسبب تداخل الواقع الأمني مع ضعف البنية التحتية، وضيق المساحات، وغياب حلول طويلة الأمد لمشاكل الشباب والخدمات.

وفي هذا السياق، أعاد إعلان الشرطة فك ملابسات مقتل الشاب المقدسي عبد السلام أبو عصب في شعفاط النقاش داخل المخيم ومحيطه حول الأمن الشخصي وانتشار السلاح والحاجة إلى تعزيز إنفاذ القانون، في منطقة تعيش منذ سنوات واقعًا اجتماعيًا وخدماتيًا معقدًا.

وكان أبو عصب قد قُتل في 16 مايو/أيار الماضي بعد تعرضه لإطلاق نار، في جريمة أثارت صدمة بين السكان، خاصة أنها جاءت في ظل مخاوف متزايدة من حوادث العنف المسلح في مناطق مكتظة مثل شعفاط وضاحية السلام وعناتا.

وخلال الأيام الماضية، أعلنت الشرطة أنها تمكنت من فك رموز الجريمة بعد تحقيق سري ومعقد، مؤكدة تشكيل قاعدة أدلة ضد ثلاثة مشتبهين من سكان القدس، تمهيدًا لتقديم لائحة اتهام بحقهم وطلب تمديد توقيفهم حتى انتهاء الإجراءات القانونية.

وبحسب بيان الشرطة، فإن التحقيق أظهر أن اثنين من المشتبهين استدرجا الضحية إلى موقع الجريمة عبر اتصال هاتفي مسبق، قبل أن يصلا إلى المكان على متن دراجة نارية وهما يضعان أقنعة ويحملان أسلحة.

وقالت الشرطة إن المشتبهين أطلقا أكثر من 25 رصاصة باتجاه الجزء العلوي من جسد أبو عصب، ما أدى إلى مقتله في المكان، قبل أن يلوذا بالفرار من موقع الجريمة.

وتحدثت تقارير لاحقة عن أن نيابة الدولة قدمت لائحة اتهام إلى المحكمة المركزية في القدس ضد ثلاثة شبان من مخيم شعفاط، ونسبت إلى اثنين منهم جريمة القتل في ظروف مشددة، فيما نسبت إلى الثالث مخالفات تتعلق بالمساعدة بعد ارتكاب الجريمة، وإضرام النار، وإتلاف الأدلة.

ووفقًا للائحة الاتهام، فإن خلفية الجريمة تعود إلى خلاف مالي، إذ جرى تحديد موعد لقاء مع الضحية داخل المخيم، قبل تنفيذ إطلاق النار عليه من مسافة قريبة.

كما أشارت لائحة الاتهام إلى أن المتهمين حاولوا إخفاء آثار الجريمة بعد تنفيذها، من خلال إحراق الدراجة النارية التي استخدمت في العملية، والتخلص من الخوذات والقفازات، في محاولة لطمس الأدلة.

وتقول الشرطة إن التحقيق اعتمد على قدرات استخباراتية وجمع أدلة جنائية وتحليل توثيقات من كاميرات مراقبة، إضافة إلى إجراءات تحقيق متعددة ساعدت في ربط المشتبهين بالجريمة.

وأثار الإعلان عن حل القضية نقاشًا واسعًا بين سكان شعفاط والمناطق المجاورة، بين من رأى في التقدم بالتحقيق خطوة مهمة لإعادة بعض الثقة بإنفاذ القانون، ومن اعتبر أن معالجة جريمة واحدة لا تكفي ما لم تتبعها خطوات أوسع لمواجهة العنف والسلاح غير القانوني.

ويقول سكان إن فك لغز مقتل أبو عصب قد يمنح العائلة والمجتمع شعورًا أوليًا بأن الجريمة لن تبقى دون متابعة، لكنه لا يلغي القلق من تكرار حوادث مشابهة في ظل انتشار السلاح وسهولة استخدامه داخل مناطق مكتظة بالسكان.

ويرى أهالٍ أن المطلوب اليوم لا يقتصر على حل هذه القضية، بل يشمل متابعة ملفات أخرى لم تُغلق بعد، وتعزيز الردع ضد كل من يستخدم السلاح داخل الأحياء السكنية، خاصة أن أي إطلاق نار في مناطق مثل شعفاط يهدد حياة المارة والعائلات والأطفال.

وتكتسب القضية حساسية إضافية لأنها تأتي في فترة تشهد فيها شعفاط حملات ميدانية لتنظيم الحي وتعزيز النظام العام، شملت إزالة عوائق ومركبات ومنشآت مخالفة، في محاولة لتحسين حركة السير والحد من مظاهر الفوضى في الشوارع الرئيسية.

ويربط بعض السكان بين هذه التطورات وبين الحاجة إلى خطة أوسع لتحسين جودة الحياة داخل المخيم، بحيث لا تكون الإجراءات مقتصرة على حملات مؤقتة، بل تشمل معالجة العنف، وتنظيم الطرق، وتحسين الخدمات، وتعزيز الشعور بالأمان.

وفي المقابل، يحذر آخرون من أن الوجود الأمني وحده لا يكفي لمعالجة مشاكل المخيم، إذا لم يرافقه اهتمام حقيقي بالبنية التحتية، وفرص العمل، ومشاكل الشباب، والأوضاع الاقتصادية التي تزيد من هشاشة المجتمع المحلي.