تتفاقم الأزمة المالية التي تواجهها السلطة الفلسطينية، في ظل تحذيرات رسمية من تراجع القدرة على تمويل الخدمات الأساسية، وتصاعد الغضب الشعبي والنقابي بسبب تدهور القطاع الصحي واستمرار أزمة رواتب الموظفين العموميين.

وقال وزير المالية والتخطيط الفلسطيني إسطفان سلامة إن السلطة تعمل في ظروف مالية بالغة الصعوبة، بعدما وصلت إلى حدودها القصوى في الاقتراض من البنوك الفلسطينية، في وقت لا تغطي فيه الإيرادات المحلية سوى جزء محدود من الاحتياجات الشهرية للحكومة.

وأوضح سلامة، في تصريحات سابقة، أن أموال المقاصة التي تحتجزها إسرائيل تشكل نحو 70% من الإيرادات الفلسطينية، معتبرًا أن غياب هذه الأموال جعل الحكومة تعمل في وضع شبه اضطراري، مع صعوبة في دفع الرواتب وتمويل القطاعات الحيوية.

وبحسب الوزير، فإن عملية صرف جزء من رواتب الموظفين جرت في ظل توفر 10% فقط من المطلوب، بينما تستهلك خدمة القروض جزءًا كبيرًا من الإيرادات المحلية، ما يحد من قدرة الحكومة على تمويل الصحة والتعليم والخدمات الأساسية.

وتقول الحكومة الفلسطينية إن الأزمة الحالية ليست نتيجة تراجع إداري داخلي فقط، بل نتيجة مباشرة لاحتجاز أموال المقاصة، وتراجع الدعم الخارجي، وخسارة الاقتصاد الفلسطيني جزءًا كبيرًا من دخله بعد توقف عشرات آلاف العمال عن العمل داخل إسرائيل منذ الحرب في غزة.

غير أن هذه التبريرات لم تمنع تصاعد الانتقادات الداخلية، خصوصًا مع تدهور القطاع الصحي، وارتفاع ديون المستشفيات، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، واستمرار الشكاوى من ضعف قدرة المستشفيات الحكومية على تقديم الخدمات بصورة طبيعية.

وخلال الأسابيع الأخيرة، صعّدت نقابة الأطباء الفلسطينيين خطواتها الاحتجاجية، مطالبة بصرف الرواتب والمستحقات المالية، وضمان استمرار الخدمات الطبية، في وقت اقتصرت بعض أشكال العمل في المستشفيات الحكومية على الحالات الطارئة وحالات إنقاذ الحياة.

وتقول النقابة إن الأزمة تجاوزت مسألة الرواتب، وأصبحت تهدد قدرة الأطباء على الوصول إلى أماكن عملهم، وتؤثر في جودة الخدمة المقدمة للمرضى، خصوصًا في ظل نقص الكوادر والاكتظاظ وتراجع ساعات العمل.

وتشير تقارير صحية إلى أن المستشفيات الخاصة والأهلية تعاني بدورها من ديون متراكمة على الحكومة، ونقص في الأدوية والمستلزمات، وصعوبة في استقبال تحويلات طبية جديدة، ما يضع المرضى أمام خيارات محدودة ومكلفة.

وفي هذا السياق، عاد الجدل حول أولويات الإنفاق العام، خصوصًا ملف مخصصات الأسرى والجرحى وعائلات الضحايا، الذي ظل لسنوات من أكثر الملفات حساسية في السياسة الفلسطينية.

ويرى منتقدون أن استمرار الأزمة الصحية يتطلب إعادة ترتيب الأولويات المالية، وتوجيه أكبر قدر ممكن من الموارد إلى المستشفيات والأدوية ورواتب العاملين في القطاع الصحي، بدل استمرار الإنفاق على ملفات سياسية واجتماعية مثيرة للجدل.

وتستند بعض الانتقادات إلى تقديرات سابقة أشارت إلى أن مخصصات الأسرى وعائلات الضحايا كانت تتجاوز 300 مليون دولار سنويًا، رغم إعلان السلطة تعديل آلية الدفع وتحويلها إلى نظام دعم اجتماعي قائم على الحاجة.

وتقول السلطة الفلسطينية إنها لم تتخل عن أي فئة من المجتمع، وإن الدعم المقدم للأسرى والجرحى وعائلات الضحايا يندرج ضمن التزام اجتماعي ووطني، لكنه بات يخضع لإصلاحات وضغوط مالية وسياسية، في ظل مطالب دولية بتغيير آلية الصرف.

ويرى مؤيدو هذا الموقف أن عائلات الأسرى والضحايا لا يجب أن تُترك وحدها، خصوصًا أن كثيرًا منها فقد مصدر دخلها الأساسي، وأن معالجة الأزمة المالية لا ينبغي أن تتحول إلى صراع بين الفئات المتضررة داخل المجتمع الفلسطيني.

لكن منتقدين يقولون إن حجم الأزمة الصحية يجعل الحكومة مطالبة بمصارحة الجمهور حول كل بنود الإنفاق، بما في ذلك الرواتب، والمخصصات، والتحويلات الطبية، والإنفاق الإداري، حتى لا يتحمل المرضى والموظفون العبء الأكبر وحدهم.

وتضع هذه الأزمة الحكومة الفلسطينية أمام معادلة صعبة: فهي من جهة تواجه نقصًا حادًا في الإيرادات وقيودًا على الاقتراض، ومن جهة أخرى تواجه ضغطًا شعبيًا متزايدًا لتأمين الرواتب والخدمات الصحية قبل أي ملف آخر.

ويحذر أطباء وناشطون من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تدهور أوسع في القطاع الصحي، خصوصًا إذا تواصل نقص الأدوية وتراجع الدوام في المستشفيات الحكومية وتعثر تسديد مستحقات المستشفيات الخاصة وموردي الأدوية.

وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن انهيار السلطة أو توقف مؤسساتها سيؤدي إلى نتائج أكثر خطورة على المجتمع الفلسطيني، معتبرة أن الحفاظ على المؤسسات والخدمات الأساسية يحتاج إلى ضغط دولي للإفراج عن أموال المقاصة، وإلى إصلاحات داخلية تضمن عدالة أكبر في توزيع الموارد.