كتب: عبد الرحمن سيد
بعيدا عن صخب المدن
الكبرى، تبرز ولاية غرداية كواحدة من أكثر المناطق الجزائرية تميزا، بعدما نجحت في
بناء مجتمع يقوم على التكافل والتعاون والعمل الجماعي، لتتحول إلى نموذج اجتماعي فريد
يكاد يخلو من البطالة، رغم أن عدد سكانها يقترب من نصف مليون نسمة.
وتقع ولاية غرداية
في قلب الجنوب الجزائري، على بعد نحو 600 كيلومتر من العاصمة، حيث تمتزج الخصوصية الثقافية
بجمال العمارة وروح التضامن التي تطبع حياة سكانها.
منطقة بني ميزاب
وأول ما يلفت انتباه
الزائر عند دخوله منطقة بني ميزاب هو طابعها المعماري المختلف، حيث تبدو المباني وكأنها
صُممت بعناية لتنسجم مع الطبيعة الصحراوية القاسية فالبيوت هناك ليست مجرد جدران وسقوف،
بل منظومة ذكية تراعي البيئة، إذ تتميز بقدرتها على عزل الحرارة صيفًا والبرودة شتاءً،
في مشهد يجمع بين البساطة والجمال والاستدامة.
لكن سر غرداية الحقيقي لا يكمن في عمرانها فقط، بل في الروح التي تحكم مجتمعها فالعلاقات بين السكان تتجاوز حدود الجيرة التقليدية لتتحول إلى شبكة مترابطة من التعاون والتآزر، حيث يشعر الجميع أنهم أفراد داخل عائلة كبيرة تجمعها قيم الاحترام والعمل والتكافل.
وفي حديث لأحد
أعيان المنطقة، أوضح أن سكان بني ميزاب تربوا جيلًا بعد جيل على ثقافة التضامن، مؤكدًا
أن الجميع يعتبر نفسه مسؤولا عن الآخر، وأن احترام الكبير ورعاية الصغير والعمل الجاد
ليست مجرد شعارات، بل أسلوب حياة متجذر في المجتمع.
وأشار أيضًا إلى
أن العمل يحتل مكانة محورية في حياة السكان، فإلى جانب متابعة التعليم العالي، يتجه
كثير من الشباب نحو التجارة والحرف المختلفة منذ سن مبكرة، حيث يرافق الأبناء آباءهم
في الأسواق وأماكن العمل، لينشؤوا على حب الاجتهاد وتحمل المسؤولية.
أما من يواجه صعوبة
في العثور على وظيفة، فلا يُترك وحيدًا في مواجهة ظروفه، بل يتحرك المجتمع بأكمله لمعرفة
أسباب المشكلة والعمل على حلها فإن كانت العقبة مرتبطة بغياب فرصة عمل، يتم توفيرها،
وإن كانت هناك أسباب أخرى اجتماعية أو شخصية، تتم معالجتها جماعيًا، انطلاقًا من قناعة
راسخة بأن البطالة قد تتحول إلى مصدر للانحراف والتفكك إن تُركت دون علاج.
ومن جانبه، يرى المختص الاجتماعي سليمان بودي، المنحدر من ولاية غرداية، أن التماسك الموجود داخل المجتمع الميزابي يمثل نموذجًا فريدًا يستحق أن يدرس في أكبر جامعات العالم، لما يحمله من قيم إنسانية واجتماعية عميقة.
وأوضح أن المجتمع هناك لا يترك أفراده يواجهون الأزمات وحدهم، بل يشاركهم همومهم وتحدياتهم، سواء تعلق الأمر بالعمل أو بالحياة اليومية عمومًا، حيث تتجسد روح التضامن بشكل عملي في مختلف تفاصيل الحياة.
ولا يتوقف هذا
الترابط عند الجوانب الاقتصادية والاجتماعية فقط، بل يمتد إلى القضايا الأسرية أيضًا،
إذ تحل غالبية الخلافات المتعلقة بالزواج أو الطلاق أو الميراث أو المعاملات التجارية
داخل إطار العائلة والمجتمع، عبر الصلح والتراضي وتدخل كبار العائلات، دون الحاجة للوصول
إلى أروقة المحاكم.
ويؤكد المختصون
أن هذا النموذج المجتمعي يساهم بشكل كبير في حماية الأسر من التفكك، ويحد من انتشار
النزاعات والفتن الداخلية، كما يوفر بيئة آمنة للمراهقين والشباب الذين يجدون أنفسهم
دائمًا تحت رعاية وتوجيه الكبار، ما يقلل من احتمالات الانحراف ويعزز روح الانتماء
والمسؤولية داخل المجتمع.









