كتب - محمد بكري

في خطوة تعكس تحولاً عميقاً في النهج السياسي والعسكري للولايات المتحدة، أعاد الرئيس دونالد ترامب التأكيد على دعوته للدول المستوردة للنفط - وخاصة بريطانيا والقوى الآسيوية - لتحمل مسؤولية تأمين ناقلاتها في مضيق هرمز، مشدداً على أن مرحلة الحماية المجانية التي كانت توفرها البحرية الأمريكية قد انتهت.

ويرتكز هذا التوجه على عدة أبعاد استراتيجية واقتصادية تفسر هذا التحول في العقيدة السياسية والعسكرية الأمريكية تجاه أمن الممرات المائية الدولية:

1. تراجع الاعتماد الأمريكي على نفط الشرق الأوسط:

بفضل طفرة النفط الصخري، تحولت الولايات المتحدة من أكبر مستورد للنفط إلى واحدة من أكبر الدول المنتجة والمصدرة له عالمياً. وبناءً على ذلك، يرى ترامب أن حماية الممرات المائية التي يتدفق منها النفط إلى آسيا (مثل الصين، اليابان، كوريا الجنوبية) وأوروبا لم تعد مصلحة وطنية أمريكية حيوية تستدعي إنفاق مليارات الدولارات وتحمل المخاطر العسكرية بمفردها.

2. فلسفة تقاسم الأعباء:

يرى ترامب أن الحلفاء والشركاء الاقتصاديين يستفيدون من "مظلة أمنية مجانية" توفرها البحرية الأمريكية لتأمين تجارتهم وطاقتهم. ومن هنا، يطالب هذه الدول (خاصة القوى الآسيوية الصناعية الغنية وبريطانيا) بالمساهمة مالياً أو عسكرياً في حماية سفنها، بدلاً من الاعتماد الكلي على دافعي الضرائب الأمريكيين.

3. إعادة توجيه القدرات العسكرية:

يرغب هذا التيار في واشنطن بتقليص الالتزامات العسكرية "التقليدية" في الشرق الأوسط، للتركيز أكثر على منافسة القوى العظمى الأخرى، وعلى رأسها الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فضلاً عن تقليل احتمالات الانزلاق إلى "حروب أبدية" جديدة.

كيف جاءت ردود الفعل الدولية على دعوات ترامب

شهدت الساحة الدولية تبايناً ملحوظاً في ردود الفعل على دعوات ترامب،إذ انقسمت المواقف بين رفض صريح، وتحفظ دبلوماسي، ومطالبات بضرورة احتواء التوتر وتجنب أي تصعيد محتمل.

المملكة المتحدة: اتسم الموقف البريطاني بالحذر والتريث. وبينما شددت لندن على ضرورة وجود خطة لخفض التصعيد وفتح المضيق نظراً للأضرار الاقتصادية الجسيمة، إلا أنها أبدت في البداية تردداً في التورط بعمل عسكري واسع في المنطقة.

اليابان: رفضت طوكيو صراحة إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز. وصرح المسؤولون اليابانيون بأن الإقدام على مثل هذه الخطوة يواجه قيوداً قانونية ودستورية بالغة التعقيد في بلادهم، بالرغم من اعتماد اليابان الشديد على نفط الخليج العربي.

إيران: أصدرت طهران موقفاً تحذيرياً، معتبرةً أن أي توجه نحو تدويل الأزمة أو استقدام قوى أجنبية لتأمين مضيق هرمز من شأنه أن يؤدي إلى تصعيد التوترات في المنطقة، ولوّحت بإمكانية استهداف السفن التابعة للدول التي تنخرط في مواجهة مباشرة معها.

أستراليا وفرنسا: أعلن البلدان عدم وجود خطط لديهما لإرسال سفن حربية للمشاركة في تأمين المضيق استجابةً لطلب ترامب، وفضلتا المسارات الدبلوماسية لخفض حدة الأزمة.

الاتحاد الأوروبي: سادت حالة من التشكك بين قادة الاتحاد الأوروبي. ورأى بعضهم (مثل ألمانيا) أن توسيع المهام البحرية الحالية لتشمل مضيق هرمز لن يوفر أماناً إضافياً، في حين ركزت دول أخرى على دعم الحلول السياسية لتفادي أزمة طاقة خانقة تهدد القارة.

الصين: على الرغم من أن الصين هي المستفيد الأكبر من نفط المنطقة، إلا أنها لم تظهر استجابة عسكرية لطلب ترامب، بل دعت إلى ضبط النفس ووقف العمليات القتالية، في حين واصلت بكين مباحثاتها الدبلوماسية لتأمين ممرات آمنة لطاقتها. 

الانتقادات تتوالى من الرئيس ترامب:

في انتقاد لاذع لمواقف الحلفاء، وصف الرئيس الأمريكي الالتزامات الأمنية المتبادلة بأنها باتت 'طريقاً من طرف واحد'، معرباً عن استيائه من ضعف التفاعل الدولي مع دعواته الأخيرة. وشدد الرئيس في تدوينات له على ضرورة توقف واشنطن عن تقديم مظلة أمنية مجانية، مطالبًا القوى العالمية، وفي مقدمتها أعضاء الناتو، بتحمل الكلفة العسكرية واللوجستية لحماية أمن طاقتها."

في المحصلة، يعكس موقف ترامب تحذيراً ضمنياً للمجتمع الدولي بضرورة الاستعداد لمرحلة قد لا تضطلع فيها الولايات المتحدة بدور "الضامن الأوحد" لأمن الممرات البحرية، وهو ما قد يمهد لظهور ترتيبات أمنية دولية جديدة تختلف جذرياً عما ساد خلال العقود الماضية.