تعيش المنطقة تحوّلات متسارعة، في ظل تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران إلى مستوى الصدام المباشر، بعدما كانت المواجهات تقتصر على تحريك أذرع "محور المقاومة" دون تدخل علني من طهران. ويُنظر إلى هذه التطورات على أنها جزء من مسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإعادة تشكيل معادلة إقليمية جديدة في الشرق الأوسط.

في خضم هذا المشهد المتغيّر، تجد حركة "حماس" نفسها على هامش التفاعلات الإقليمية، بعدما فقدت السيطرة الفعلية على قطاع غزة، الذي حكمته منذ عام 2007، عقب الانقسام مع السلطة الفلسطينية. وتعرضت بنيتها العسكرية لتفكك واسع، في وقت لم يتبق فيه للحركة سوى بعض العمليات الفردية غير المنظّمة، وملف الأسرى الإسرائيليين كورقة ضغط محدودة التأثير.

على المستوى العربي، تراجع حضور "حماس" في الوعي العام، إذ تشير استطلاعات رأي حديثة إلى انخفاض ملموس في شعبيتها داخل عدد من الدول العربية. ويُطرح في الإعلام المحلي والرأي العام تساؤل يتردد بحدة متزايدة: "ماذا جنى الفلسطينيون من عملية السابع من أكتوبر؟ ولماذا لم تُتخذ إجراءات لحماية المدنيين من تداعيات التصعيد؟"

ويتساءل المحلل السياسي أسامة قدوس: "ما معنى المقاومة عندما لا يكون الهدف واضحًا ومتفقًا عليه من المجتمع الذي يتحمل كلفتها؟ وما جدوى إطلاق الصواريخ إذا كانت نتيجتها مزيدًا من الحصار والعزلة والدمار؟ أليست هذه مقاربة سياسية عبثية مغلّفة بخطاب ديني؟"

منذ هجوم السابع من أكتوبر، تتعرض "حماس" لانتقادات متزايدة على الصعيدين العربي والدولي، خصوصًا من عواصم كانت تقليديًا أكثر انفتاحًا على التعامل معها. في السياق العربي، صدرت مواقف رسمية وشبه رسمية تعبّر عن استياء من نهج الحركة، وما يُعتبر ارتهانًا متناميًا لأجندات خارجية لا تُعطي الأولوية للمصلحة الوطنية الفلسطينية، وعلى رأسها إيران.

وقال مسؤول عربي رفيع، رفض الكشف عن اسمه: "لم تعد حماس تتحرك وفق مصالح وطنية، بل تخضع لحسابات ضيقة مرتبطة بتحالفات خارجية وببقاء القيادة. لقد أصبحت عبئًا على الفلسطينيين والمنطقة".

هذا التحول لم يقتصر على السياسات الرسمية، بل امتد إلى الشارع العربي، إذ تشير الدراسات إلى تراجع التأييد الشعبي للحركة، مقابل تصاعد الدعوات إلى حلول سياسية تُخرج الفلسطينيين من دوّامة العنف. وقال ناشط فلسطيني من رام الله: "الناس سئمت من الحروب المتكررة. ما نحتاجه هو مسار سياسي واقعي، لا مزيد من الدمار".

في مصر، التي تقوم بدور تقليدي في الوساطة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، أعربت مصادر دبلوماسية عن قلق متزايد من التصعيدات الأخيرة، والتي ترى أن "حماس" تتحمل مسؤولية كبيرة عنها. وقال مصدر مصري مطلع: "هذه التصعيدات قوّضت جهود الوساطة، وهددت استقرار الإقليم. من الصعب دعم طرف يفضّل المواجهة على الحوار".

أما في السعودية، التي تسعى لإعادة صياغة دورها الإقليمي، فقد صدرت انتقادات واضحة تجاه "حماس". وكتب أحد المعلقين السعوديين أن الحركة "لم تعد تعبّر عن الإسلام ولا عن مصالح الفلسطينيين، بل تروّج لأجندة أيديولوجية متشددة تُهدد استقرار المنطقة".

دوليًا، عبّر دبلوماسي رفيع في الأمم المتحدة عن قلق بالغ حيال ما وصفه بـ"تجاهل حماس المنهجي للقانون الدولي"، لاسيما في ما يتعلق بالاسرى المدنيين، مؤكدًا أن ردود الحركة، التي تضمنت إنكارًا واتهامات مضادة، لم تؤدِ سوى إلى تعميق عزلتها.

وفي أوروبا، اتخذت دول مثل ألمانيا والنمسا إجراءات إضافية للحد من نشاطات الحركة، فيما دعت كل من فرنسا وبريطانيا إلى مراقبة مصادر التمويل التي قد تصل إلى كيانات متورطة في أعمال عنف. وصرّح متحدث باسم وزارة خارجية أوروبية بأن "خطاب حماس المعادي لإسرائيل يقوّض أي فرصة للتقدم السياسي. حتى الدول التي تنتقد السياسات الإسرائيلية تجد صعوبة في الدفاع عن مواقف الحركة".

التراجع في العربي والدولي في دعم حماس لا يُعدّ انعكاسًا لمزاج سياسي فقط، بل يُعبّر عن إدراك أوسع بأن النهج القائم على المقاومة المسلحة، دون رؤية واستراتيجية سياسية واضحة، لم يعد قابلاً للاستمرار في ظل الأثمان الإنسانية الباهظة. ويقول أحد المحللين العرب: "حماس فقدت قدرتها على تقديم بديل استراتيجي، وتحولت إلى عائق أمام أي مسار تسوية ممكن".

تزداد التساؤلات حول مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، ومكانة الفصائل المسلحة فيه، في وقت تميل فيه البيئة الإقليمية والدولية أكثر نحو الواقعية السياسية، بعيدًا عن شعارات لا تُفضي إلى حلول ملموسة وسط مخاوف من نوايا اليمين المتطرف الاسرائيلي الذي لا يسعى الى المفاوضات بل الى الانتقام عبر التهجير.