في وقت تنشغل فيه المنطقة والعالم بتطورات التصعيد العسكري المتسارع بين إسرائيل وإيران، يبقى الوضع الإنساني في قطاع غزة على حاله، مع تزايد المعاناة اليومية للسكان نتيجة استمرار العمليات العسكرية وشحّ تدفق المساعدات.

وفي ظل غياب أي مؤشرات على اتفاق وشيك بين إسرائيل وحركة حماس، تتصاعد حالة الغضب داخل القطاع. ولم يعد كثير من السكان يترددون في التعبير العلني عن رفضهم لحكم الحركة، التي يتهمها البعض بـ"التعامل مع المدنيين كخسائر تكتيكية" ضمن حساباتها السياسية.

وتعرض خليل الحية، رئيس الوفد التفاوضي لحماس في الدوحة، لانتقادات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اتهمه عدد من الفلسطينيين بـ"تجاهل الكارثة الإنسانية في غزة" والتركيز على مواقف تفاوضية لا تعكس واقع المعاناة اليومية في القطاع، وسط دعوات متزايدة لوقف فوري للحرب.

ويرى المحلل السياسي أسامة قدوس أن "مشكلة حماس لا تكمن في خياراتها التفاوضية فقط، بل في الفكر الذي يحكمها"، مضيفًا: "أي فلسطين يُراد تحريرها، إذا مات جزء من الشعب وهاجر الآخر؟ يجب على صنّاع القرار في حماس أن يدركوا أن غزة ليست راية ولا شعاراً، بل مدينة حقيقية يسكنها بشر حقيقيون، يريدون الماء، والدواء، والكهرباء، والتعليم، والخروج من هذا الجحيم".

ومع استمرار الجمود السياسي، تزداد الضغوط الشعبية داخل القطاع، حيث تشير تقارير ميدانية ومقاطع موثقة إلى تصاعد الاستياء في الشارع الغزي. 

ففي أبريل/نيسان الماضي، شهدت مناطق متفرقة من غزة احتجاجات نادرة طالبت بوقف الحرب ودخول المساعدات، تخللتها هتافات مباشرة ضد حماس، من بينها: "حماس برا برا"، في مؤشر على تراجع الغطاء الشعبي الذي لطالما اعتمدت عليه الحركة.

وخلال ما عُرف حينها بـ"جمعة الغضب"، رفع المحتجون لافتات كُتب عليها: "بدنا نعيش بسلام"، و"دماء أطفالنا ليست رخيصة"، و"أوقفوا شلال الدماء"، وسط استمرار التصعيد العسكري وتعثر المفاوضات. ونقلت وكالة "فرانس برس" عن متظاهرين قولهم إن "السكان باتوا يشعرون بالعجز واليأس، وإنه إذا كان خروج حماس من الحكم سينهي الحرب، فعليها أن تتنازل عن السلطة حفاظاً على حياة المدنيين".

ويرى مراقبون أن حماس تواجه اليوم أزمة تراجع في شعبيتها بشكل غير مسبوقة، نتيجة تبعات الحرب المستمرة منذذ اكثر من سنة ونصف.

ويؤكد المحلل الفلسطيني حسن سوالمة أن "المناورات السياسية لا يجب أن تكون على حساب أرواح المدنيين ومستقبل القطاع"، مشيراً إلى أن الشارع الغزي بات يركّز على مطلب أساسي: إنهاء الحرب بأي وسيلة ممكنة.

وبحسب تقارير أممية وطبية، فقد أسفرت الحرب حتى الآن عن مقتل أكثر من 54 ألف فلسطيني، وإصابة أكثر من 110 آلاف آخرين، وتدمير نحو 90% من البنية التحتية، فضلاً عن تشريد مليوني شخص، ونحو نصف مليون يواجهون خطر المجاعة في ظل استمرار الحصار وتعطيل دخول المساعدات.

وفي ظل تمسك الأطراف بمواقفها، وتزايد السخط الشعبي داخل القطاع، تبدو فرص التوصل إلى تهدئة حقيقية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، فيما لا يزال سكان غزة يتحملون العبء الأكبر من الحرب المستمرة.