كتبت – هاجر هشام

في ظل تزايد حوادث العنف الأسري والانتحار، يرتفع صوت مدوٍ يكشف عن الأسباب الجذرية لهذه المآسي، متجاوزا مجرد الإدانة اللحظية ليغوص في أعماق المشكلة، ولا يتعلق الأمر فقط بجرائم فردية، بل بمنظومة متكاملة من المفاهيم المغلوطة، والتربية القاصرة، والضغوط المجتمعية التي تدفع الأفراد إلى حافة الهاوية.


ما هي جذور العنف الأسري والانتحار؟


بعد قضية قتل "آية عادل" من زوجها الذي ألقى بها من شرفة المنزل من الدور السابع، لتسقط جثة هامدة تاركة ثلاثة أبناء في حاجة شديدة إلى رعايتها، لابد من وضع حد لمثل هذه الجرائم ضمن قضية العنف ضد المرأة، وبعد دراسات وأبحاث كثيرة، تبين أن هناك الكثير من الأسباب المتشابكة التي لا تؤدي فقط إلى العنف الأسري، بل وتدفع الأفراد إلى الانتحار، وتدمر العائلات والمجتمعات.


لذا، يجب علينا مواجهة هذه المشكلة بكل جدية، وتغيير المفاهيم المغلوطة، وتربية الأجيال القادمة على قيم الاحترام والمساواة والعدل، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا، وتغيير نظرة المجتمع السلبية للمطلقات والأرامل، ومن أبرز أسباب العنف الأسري والانتحار هي:




بذور العنف والتسلط "ترجمة على المزاج" و "الست خادمة"


تبدأ المشكلة بتفسيرات متحيزة للنصوص الدينية، مثل ترجمة "الرجال قوامون على النساء" و "ناقصات عقل ودين" بشكل يستغل في القهر والتعذيب، فإن هذه التفسيرات الخاطئة، بالإضافة إلى مفاهيم رجعية مثل "الست خادمة" التي تختزل المرأة في دور الطاهية والمنظفة، تخلق بيئة خصبة للعنف الأسري والتسلط.


ضغوط الأهل وتجاهل الحقوق "يا بنتي عاوزين نجوزك وخلاص"


تزيد الطين بلة ضغوط الأهل الذين يفضلون تزويج بناتهم بأي ثمن، متجاهلين التوافق العاطفي والاجتماعي، ومفضلين الغنى على السعادة، وممارسين ضغوطًا نفسية رهيبة تدفع الفتيات للتحمل والصبر على الإهانة والضرب خوفًا من الطلاق ونظرة المجتمع.


تجاهل التحذيرات المبكرة "الست اللي من أول يوم بتعرف إنه مش سوي"


لا يقتصر الخطأ على الأهل والمجتمع، بل يمتد إلى الأفراد أنفسهم، فكم من امرأة تتجاهل التحذيرات المبكرة في شريك حياتها، وتصر على إنجاب الأطفال على أمل تغييره، لتجد نفسها في دوامة من العنف والمعاناة؟ وكم من رجل يستغل ضعف المرأة وعدم وجود من يحميها، فيمارس عليها أبشع أنواع التسلط والإهانة؟




اختزال الحياة في الاحتياجات الأساسية "أكل وشرب وجنس"


تتفاقم المشكلة بتربية قاصرة تختزل الحياة في مجرد أكل وشرب وجنس، وتجعل المرأة مجرد وعاء لإشباع هذه الاحتياجات، متجاهلة حقوقها الإنسانية وكرامتها.


غياب الحب والتوافق "الجواز من أجل الجواز"


يساهم الزواج التقليدي الذي يتم فقط لإرضاء المجتمع أو لتحقيق مصالح مادية، في تفاقم المشكلة. فغياب الحب والتوافق يجعل الحياة الزوجية عبئًا لا يطاق، ويؤدي إلى الخلافات المستمرة والعنف.


التهرب من المسؤولية وتوريث المعاناة "العيل بيجي برزقه"


يزيد الأمر سوءًا الاعتقاد الخاطئ بأن "العيل بيجي برزقه"، مما يؤدي إلى إنجاب الأطفال دون تخطيط أو استعداد مادي ونفسي، وتحويل الحياة إلى صراع دائم لتوفير لقمة العيش، وتوريث المعاناة للأجيال القادمة.


تجاهل التوافق الفكري والاجتماعي


يجب الانتباه إلى تفاوت المستويات الاجتماعية والعلمية عند الزواج، والتأكد من وجود توافق فكري واجتماعي حقيقي، لتجنب الشعور بالدونية أو التعالي، وتجنب استخدام هذه الفروق كأدوات التعيير والإهانة.


الوهم بتغيير الطباع المتأصلة "هأغيره بعد الجواز"


من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بإمكانية تغيير الشريك بعد الزواج، فـ"من شب على شيء شاب عليه"، ومحاولة تغيير الآخر غالبا ما تؤدي إلى الإحباط والفشل.




الانجرار وراء الصور النمطية السلبية "الباد بوي"


تساهم الصور النمطية السلبية التي تروج لها وسائل الإعلام، مثل تفضيل "الفتى الشرير" على الشاب المحترم، في تشويه المفاهيم الصحيحة عن العلاقات، وتؤدي إلى اختيار شركاء غير مناسبين.


الخوف من نظرة المجتمع "مقهورة أحسن من مطلقة"


أخيرًا، يساهم الخوف من نظرة المجتمع في استمرار المعاناة، فكم من امرأة تفضل البقاء في زواج تعيس على أن تحصل على لقب "مطلقة"، متجاهلة حقها في السعادة والكرامة؟


حان الوقت للتوقف عن الصمت، وتحمل المسؤولية في بناء مجتمع أكثر عدلاً ورحمة.