في الخامس من يناير 2021، خلال قمة المصالحة الخليجية، في مدينة العلا السعودية، أُعلن عن اتفاق مصالحةٍ بين قطر، وكلٍّ من السعودية، ومصر، والإمارات، والبحرين، بعد قرابة الأربع سنواتٍ، من القطيعة، والتحريض الإعلامي، والاتّهامات المتبادلة.
وقامت كلٌّ من السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر، بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، في يونيو 2017، على خلفيّة اتّهامها بدعم الإرهاب.
وجاء "بيان العلا" الذي وقّعته الدول الخليجية، ليضع حدًّا، لبيانٍ سابقٍ، كانت اتخذته السعودية والإمارات والبحرين، في الخامس من يونيو/حزيران 2017، بقطع علاقاتها بقطر.
وأكد البيان الختامي للقمة الخليجية عدد 41 بمدينة العلا السعودية، أنّ "الأهداف السامية لمجلس التعاون، التي نصّ عليها النظام الأساسي، بتحقيق التعاون والترابط والتكامل بين دول المجلس في جميع المجالات، وصولًا إلى وحدتها، وتعزيز دورها الإقليمي والدولي، والعمل كمجموعةٍ اقتصاديةٍ وسياسيةٍ واحدةٍ للمساهمة في تحقيق الأمن والسلام والاستقرار والرخاء في المنطقة".
انتهت الأزمة، ولم يحقّق أيّ طرفٍ من أطرافها، مكاسب تعدُّ، بل على العكس من ذلك، فإنّ تأثيرها الاقتصادي والسياسي على عموم المنطقة، كان سلبيًا.
أما الآن، وبعد نحو عامٍ من "بيان العلا"، إلى أين وصلت المصالحة الخليجية، وما تداعياتها على المستوييْن الإقليمي والدولي؟.
المصالحة الخليجية بين التبنّي والتردّد
كان جليًّا سعي المملكة العربية السعودية إلى إعادة العلاقات الخليجية إلى سالف عهدها، والتعلّم مما حصل بين الأشقاء الذين يجمعهم تاريخٌ واحدٌ، وفرّقتهم سياساتٌ متباينةٌ، وبالتالي، ولإظهار حسن نيّتها، فقد سارعت إلى فتح سفارتها في الدوحة، مباشرةً بعد اختتام القمة الخليجية بمدينة العلا السعودية. وفي يونيو الماضي، عيّنت المملكة سفيرًا لها في الدوحة، أتبعتها قطر، بعد شهرين، ثم لحقت الإمارات، أخيرًا، وتكثّفت الزيارات على مستوياتٍ عليا.
لكن العلاقات بين الدوحة والمنامة بقيت باردةً، وهي بالتالي في حاجة إلى "خلخلةٍ" سياسيّةٍ، تنهي الإشكاليات العالقة حتى تكتمل أضلاع المصالحة، وتتحقق توصيات بيان قمة العلا، من "وقوف دول مجلس التعاون الخليجي صفًا واحدًا في مواجهة أيّ تهديدٍ تتعرّض له أيٌّ من دول المجلس".
تحدّياتٌ سياسيةٌ وأمنيةٌ وعسكريةٌ
أكد رئيس مركز الإعلام والدراسات العربية الروسية في الرياض، ماجد التركي، أنّ اللقاءات الإقليمية التي تشكلت في فترة الأزمة الخليجية، والتحديات السياسية والأمنية والعسكرية المحتملة، قد تؤثر في أمن واستقرار منطقة الخليج"، مؤكدًا على "ضرورة تفعيل دور مجلس التعاون لدول الخليج العربية لمواجهة هذه التحديات".
وتمّ خلال أعمال الدورة الثامنة لمنتدى دراسات الخليج والجزيرة العربية، التي نظّمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، طرح سؤال حول أسباب عدم اكتمال المصالحة الخليجية وتداعياتها على بلدان الخليج العربي، أكد أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الكويت، عبد الله الشايجي، أنّ المصالحة الخليجية "لا تزال تواجه تحدياتٍ عدّةً يُمكن أن تُلقي بتداعياتها على العمل الخليجي المشترك، والأمن الخليجي"، مضيفًا في مداخلته أنّ "أهمية هذه التحديات تبرز في ضوء تراجع الحضور الأميركي في المنطقة العربية، وضعف الثقة بتوفير الولايات المتحدة الحماية لبلدان المنطقة، والخشية من تكرار تجربة الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما (2009-2017)، في التعامل مع إيران لمنعها من التحول إلى دولةٍ نوويةٍ".
وعبّر ماجد الأنصاري، رئيس أكاديمية قطر للدراسات الأمنية، عن التحدّيات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، مشيرًا إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه في رفع المخاوف السياسية والأمنية، إلى مستوى جيّدٍ في العلاقة بين دول مجلس التعاون الخليجي.
وأشار الأنصاري إلى "تباين دول المجلس في التعامل مع القضايا الإقليمية خلال السنوات العشر الأخيرة"، مؤكدًا أنّ هذا التباين "حفّز على الانقسام، وزعزعة العلاقة فيما بينها".
واعتبر أنّ ما حصل في قمة العلا بالسعودية "مصالحةٌ إجرائيةٌ"، موضّحًا أنّ "هذه المصالحة الإجرائية مع السّعودية والإمارات، فمع السعودية هناك تبادلٌ للسفراء، وللزّيارات على مستوى رفيعٍ، وهناك تعاونٌ على المستوى الاقتصادي بين البلدين"، أما مع الإمارات، فقال: "هناك اتّفاقٌ بين قطر والإمارات على المصالحة وتبادل السفراء، وبين البلدين لجانٌ مشتركةٌ وتبادلٌ للزيارات، وبالتالي تنطبق المصالحة الإجرائية على البلدين أيضًا". وأضاف: "هذا التوصيف لا ينطبق على البحرين التي لا توجد مصالحةٌ إجرائيةٌ معها"، وفق "العربي الجديد".
تموضعٌ جديدٌ إزاء الأزمات
وحول تداعيات الأزمة الخليجية، على المستوى الأمني الإقليمي والدولي، اعتبر الباحث العماني في الشؤون الإستراتيجية، عبد الله الغيلاني، أنّ هذه الأزمة "ساهمت في إعادة تموضع بلدان الخليج إزاء الأزمات والعلاقات الإقليمية والدولية"، مؤكدًا "ضرورة الاستفادة من المصالحة الخليجية، للتّشديد على تماسك دول الخليج العربية في موقفها إزاء الأزمات الإقليمية، وبلورة تصورات مشتركة للأمن الإقليمي، وذلك لعدم تكرار التصدع الذي أفرزته أزمة حصار قطر".
وتحدث أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة الكويت، محمد الرميحي، عن تغيّر تموضع منطقة الخليج العربي في السياسة الدولية، وشدّد على تركيز أولويات الدول الكبرى تجاه المنطقة، وخاصةً السياسية الأمنية والعسكرية والاقتصادية، مؤكدًا على تأثيره في تشكيل تحالفاتٍ إقليميةٍ ودوليةٍ جديدةٍ برزت خلال الأزمة. وأشار الرميحي إلى "تراجع المكانة الإستراتيجية لمنطقة الخليج بعد التطور التقني، والتكلفة الكبيرة للانخراط العسكري والأمني في المنطقة، بعد تراجع مكانة النفط بالنسبة إلى القوى العظمى".
من جانبه، أوضح مدير مركز الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في واشنطن، خالد الجابر، أنّ "الالتزام الأمريكي بالمنطقة يشهد تراجعًا دراماتيكيًا"، مشيرًا إلى أنّ "الإقدام على تحالفاتٍ وترتيباتٍ إقليميةٍ، بالنسبة إلى بعض دول المنطقة، على غرار "الاتفاقيات الإبراهيمية"، يهدف إلى تعويض تداعيات التّراجع والانحسار من الشرق الأوسط على نحوٍ تدريجيٍّ".
وشدّد الغيلاني على أنه "ليس هناك ضماناتٌ بألّا تتكرر الأزمة بشكلٍ يفوق ما حدث"، موضّحًا أنّ "قمة العلا الخليجية لم تتّفق على حدٍّ أدنى من التوافق في العديد من الملفات، ومنها الأمن الخليجي، والعلاقات مع تركيا، والتطبيع مع إسرائيل، والموقف من الحضور الإسرائيلي، وما له من آثارٍ سلبيةٍ على دول المنطقة، والأزمة اليمنية، والخلاف بين دول الخليج، حول دور التحالف، والعلاقة مع إيران".
المصالحة الخليجية والعلاقات مع تركيا وإيران
لتقييم الموقف الإيراني وتفاعله مع بيان قمة العلا الخليجية في السعودية، أشار مدير مركز دراسات الخليج في جامعة قطر، محجوب الزويري، إلى أنّ "الاتّفاق جاء في لحظةٍ إقليميةٍ انتقاليةٍ مهمّةٍ قد تحمل بين طيّاتها تحسينًا في شكل العلاقات الخليجية – الإيرانية وطبيعتها، إذ بدأت إدارةٌ أميركيةٌ جديدةٌ برئاسة جو بايدن، كما أنّ إيران كانت تستعدّ لانتخاباتٍ رئاسيةٍ جديدةٍ".
واعتبر الزويري، أنّ: "التفاعلات الإقليمية غير البعيدة عن إيران، استمرّت، مثل الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وتولّي حركة طالبان مقاليد الأمور في البلاد، وإعادة التموضع الأميركي في العراق، والحوار السعودي – الإيراني، والعلاقات مع تركيا".
واهتمّ الأستاذ في جامعة قطر، محمد المسفر، بتداعيات المصالحة الخليجية على العلاقة مع إيران، خاصةً في ظلّ وجود حكومةٍ جديدةٍ برئاسة إبراهيم رئيسي، مشيرًا إلى أنّه "في ظلّ مواجهة إيران لأزمتيْن، في علاقاتها الخارجية، سواء في التوترات مع دول الجوار الإقليمي، أو بعلاقاتها الدولية مع الولايات المتحدة الأمريكية، أساسًا، قد تمثل إلى تحسين علاقتها بدول الجوار على المستوى الإقليمي، باعتباره نقطة انطلاقٍ للسياسة الخارجية".
وأضاف المسفر في "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، أنّ "حلّ القضايا مع دول الجوار والمنافسين الإقليميين يعزّز موقع إيران في التعامل مع الدول الغربية"، مشيرًا إلى أنّ "البوابة الإقليمية هي النافذة الأمثل لمعالجة الخلافات الخارجية، وهي الأمل في زيادة مصادر قوة إيران إزاء القوى الكبرى".
وتطوّرت العلاقات بنسقٍ حثيثٍ بين الإمارات وتركيا، في الفترة الأخيرة، وتُوّجت خلال الأسبوع الماضي بزيارةٍ وليّ عهد أبو ظبي، الشيخ محمد بن زايد، إلى أنقرة، حيث تمّ توقيع عددٍ من الاتفاقيات التجارية.
وبعد التطوّر الإيجابي الذي تشهده العلاقات الخليجية، تعمل تركيا والسعودية على استعادة علاقاتهما، حيث بحث نائب الرئيس التركي، فؤاد أقطاي، مؤخّرًا، مع وزير التجارة السعودي، ماجد القصيبي، العلاقات السعودية التركية.
واعتبر روبرت ماسون، الزميل غير المقيم في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، أنّ "وقف التصعيد في منطقة الخليج في ظلّ المنافسات الخليجية المستمرّة، والاضطرابات الإقليمية، والكراهية الراسخة بين الولايات المتحدة وإيران، والتقلبات في الدبلوماسية الأميركية، يبدو ضئيلًا جدًا"، مشيرًا إلى "الاجتماعات التي عقدت بين الإمارات وإيران، والتي تلتها اجتماعات شارك فيها مسؤولون من السعودية والأردن ومصر وإيران، والاجتماعات بين السعودية وإيران، لخفض التصعيد في منطقة الخليج وخارجها". وبالتالي، فإنّ أطراف الأزمة، ومن بعدها المصالحة الخليجية، مطالبون ببذل مجهوداتٍ أكبر، بهدف التخلص من تبعات الأزمة التي استمرّت نحو أربع سنواتٍ، بهدف استعادة الثقة، والعمل على المصالحة الشاملة، من خلال الاتفاق على آلياتٍ واضحةٍ ومستدامةٍ بهدف أجرأة المصالحة الخليجية.









