يؤكّد الفلسطينيون على أنّ التشرذم الفلسطيني، وخاصة بين حركتيْ "فتح"، و"حماس"، في الضفة الغربية وقطاع غزة، من أهمّ العوامل التي لا تساعد على بناء الدولة الفلسطينية، على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
وقد أجرت مؤسسة كارنيغي للسّلام الدولي في الآونة الأخيرة مسحًا شمل ثمانيةً وخمسين من القيادات الفلسطينية المختارة في مجالاتٍ متنوعةٍ. وكما كان متوقّعًا، رأى المشاركون أنّ الأنشطة الاستيطانية الاسرائيلية تمثّل عقبةً كأْدَاة تحول دون تحقيق السّيادة الفلسطينية، غير أنهم قلقون، بالقدر نفسه، من الانقسامات الداخلية والاجتماعية. ورأى هؤلاء، بصورةٍ خاصةٍ، أنّ الصّدع القائم بين الضفة الغربية وغزة، يمثل عائقًا هائلًا يعترض تحقيق التطلعات الفلسطينية.
وأكد مركز مالكوم-كير كارنيغي للشرق الأوسط، أنّ "فتح"، و"حماس" وافقتا، وبدعمٍ من الغرب، على تقسيمٍ فعليٍّ لفلسطين، ما أدّى إلى تَخنْدُقِ كلٍّ منهما في الأراضي التي يقيم فيها.
وهناك تيّارٌ قويٌّ في أوساط الفلسطينيين يرى أنّ هذه المنافسة تفرِّق الشعب الفلسطيني، كما أنها أسهمت في تداعي مؤسساته.
وكان الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، تحدث عن المصالحة الفلسطينية، في لقائه بعددٍ من الإعلاميين المصريين، نهاية شهر أغسطس الماضي، مشيرًا إلى أنّ "المصالحة متوقّفةٌ"، قبل أن يتابع "أجرينا مباحثاتٍ كثيرةً في عددٍ من العواصم العربية وغير العربية"، ولكنه يشدّد على "ضرورة اعتراف حركة حماس بالشرعية الدولية، وإذا اعترفت بتلك الشرعية، نستطيع تشكيل حكومة وحدةٍ وطنيةٍ فورًا".
انقسام البيت الفلسطيني
قبل نحو 15 عامًا، حدث الشرخ في البيت الفلسطيني، وحصل الانقسام، واستولت حركة حماس عقب انتخابات 2006، على قطاع غزة، وبقيت حركة "فتح" في الضفة الغربية.
ورغم إمضاء أكثر من اتّفاق بين الحركتيْن، المسيطرتيْن على الشأن الفلسطيني، على المصالحة، والوقوف صفًّا واحدًا في وجه الجانب الإسرائيلي، فإنّ أيًّا من الاتفاقات المبرمة، لم تجد الأرضية المناسبة للتنفيذ، لأسبابٍ داخليةٍ وخارجيةٍ.
وفي المسحٍ الذي أجرته مؤسسة كارنيغي للسّلام الدولي، "حدّد المشاركون فصائل الضفة الغربية – غزة، بوصفها التحدي الأهم الذي يواجهه المجتمع الفلسطيني. ولا يدعو ذلك إلى الاستغراب، لأنّ المنافسة بين فتح وحماس تقسّم الشعب الفلسطيني، وتسهم في اضمحلال الثقة بقدرة المؤسسات الفلسطينية. فهاتان الحركتان قد أقرّتا، بدعمٍ غربيٍّ، وفعليًا، بتقسيم فلسطين، وذلك ما يسمح لكلٍّ منهما بالتموضع والترسّخ العميق في المناطق التي تقع تحت سيطرتهما.
وعلى الرغم من التشارك الواضح في أوساط الحركة الوطنية الفلسطينية، بما في ذلك احتمال إحياء كلٍّ من منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الفلسطينية، فإنّ المحادثات المتكررة لإنعاش هاتيْن الحركتيْين الفلسطينيتيْن قد منيت بالفشل، على الرغم من أنّ كلًّا منهما يُظهر رغبةً حقيقيةً في إجراء المصالحة".
وأكد المشاركون الفلسطينيون في ذات المسح، أنّ "لإسرائيل مشروعها السّياسي حيال الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وطالما استمرّت حالة التجزئة والضعف بين الفلسطينيين، فإنهم لن يتمكنوا من التّصدّي لها، بينما العالم مشغولٌ ومنشغلٌ، كلّ الانشغال، بمشكلاتٍ كبيرةٍ عن أداء أيّ دورٍ فعّالٍ، وقد يبقى كذلك في المستقبل المنظور."
اتّفاقاتٌ تُولد مشوّهةً
وحول إمكانية المصالحة الفلسطينية، أكد الباحث غيث العمري، من معهد واشنطن، والمستشار السابق لفريق التفاوض الفلسطيني، في مقالٍ له، أنه "في السنوات التي أعقبت سيطرة "حماس" على غزة، جرّبت "فتح"، و"حماس" كلّ آليةٍ يمكن تصوّرها لتقاسم السلطة، كاتفاقات مصالحةٍ شاملةٍ، وترتيباتٍ محدودةٍ، ومحاولاتٍ متتاليةٍ لتشكيل حكومة وحدةٍ وطنيةٍ، وإجراء انتخاباتٍ، بواسطة مجموعة من الجهات الفاعلة على المستوى الإقليمي، منها السعودية، مصر، وقطر، وتركيا، لكنها فشلت، جميعها".
وبالتالي، من الإنصاف، التساؤل عمّا إذا كان من الممكن، حتى إجراء مصالحةٍ، أو إذا كانت الأسباب الجذرية للانقسام، بين "فتح"، و"حماس"، لأسبابٍ إيديولوجيةٍ، وسياسيةٍ، وأمنيةٍ، عميقة الجذور في هذا الوقت، بحيث لا يمكن معالجتها.
ومع استمرار المناورات السياسية والحزبية، يشعر عددٌ متزايدٌ من الفلسطينيين بالتّهميش من كلا الطرفيْن: استبداد "حماس" المتحكّم في غزة، وعجز"فتح" على اقناع القيادة الحمساوية بتوجهاتها.
هذا ويرى عدد من المهتمين بالشأن الفلسطيني أن ولاء حماس للنظام الإيراني الداعم الأول لها يجعلها عاجزة عن اتخاذ أي قرار حقيقي دون الرجوع لطهران التي تسعى بدورها الى الترويج لنفسها لنصيرة القضية الفلسطينية في حين أنها في حقيقة الأمر تتعامل مع القضية الفلسطينية كورقة ضغط على الغرب.
المجتمع الدولي وخطواتُ التأثير الممكنة
يقول الباحث غيث العمري، في المقال الذي نشره معهد واشنطن، إنّ العدد المتزايد من الفلسطينيين الذي لا يؤمنون بقادتهم، وبمؤسساتهم، وإيديولوجياتهم السياسية، لا يبشّر بالخير بالنسبة لمستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية.
وبما أنّ المستقبل يبدو قاتمًا، هناك خطواتٌ يستطيع المجتمع الدولي اتخاذها للتأثير على عملية المصالحة، وبشكلٍ رئيسيٍّ، من خلال إضعاف "حماس"، وتقوية السلطة الفلسطينية، التي، رغم كلّ عيوبها، تظلّ ملتزمةً بالدبلوماسية.
صحيحٌ، أنّ دفع السلطة الفلسطينية وإسرائيل إلى إحراز تقدّمٍ في التوصل إلى اتفاق سلامٍ شاملٍ، قد يكون مهمّةً صعبة في هذه المرحلة، إلا أنه تتوفر فرصٌ محدّدةٌ وملموسةٌ، والتي، وفقًا لبعض التقارير كانت إدارة بايدن تنظر في بعضها حتى قبل بدء الجولة الأخيرة من القتال في غزة.
وكان الإعلان، عن استئناف الولايات المتحدة المساعدات للفلسطينيين، التي توقفت في عهد الرئيس دونالد ترامب، بدايةً جديدةً، لكن يمكن لإدارة بايدن، أيضًا، تشجيع التعاون العملي الملموس بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية لتحسين الحياة اليومية للفلسطينيين.
ومثل هذا التقدّم سيسمح للسلطة الفلسطينية بالادعاء بأنّ النهج التعاوني، غير العنيف، يمكن أن يؤتيَ ثماره.
وفي الوقت نفسه، بإمكان الشركاء الدوليين للفلسطينيين توجيه المساعدات مباشرة إلى المستفيدين في غزة، وبعيدًا عن "حماس"، مع اتّخاذ إجراءاتٍ لعرقلة إعادة تسلّح الحركة.
ويشير الباحث إلى أنه يمكن للدول العربية، لاسيما تلك التي لديها علاقاتٌ دبلوماسيةٌ مع إسرائيل، دعم إعادة إعمار غزة لتخفيف نفوذ قطر، الذي يصبّ في مصلحة "حماس"، كما أنّ الضغط على السلطة الفلسطينية للانخراط في إصلاحاتٍ مجديةٍ يمكن أن يسهم إسهامًا كبيرًا في إعادة بناء شرعيتها في الداخل.
تساؤلاتٌ حول مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية
أكد تقرير مركز مالكوم-كير كارنيغي للشرق الأوسط، أنّ "أيّ محاولةٍ للتّكهن بما ستكون عليه الاتجاهات الحالية في المستقبل، قد تفضي إلى التشاؤم واليأس. غير أنّ هذه الاتجاهات قد لا تتّخذ المسار نفسه الذي سلكته خلال العقد الماضي.
وصحيحٌ أنّ الهياكل النظامية التي تحتضن الهوية الوطنية الفلسطينية آخذة بالانهيار، يؤكد التقرير، غير أنّ الهوية نفسها مازالت قويةً بين الفلسطينيين.
وقد فقدت الفصائل الفلسطينية معنى الرسالة التي تحملها، مثلما فقدت القدرة على اجتذاب الأجيال الشابة. بيد أنّ التيارات التحتية التي أدت إلى نشوئها مازالت تمارس حضورًا قويًا في المجتمع الفلسطيني.
فرغم كل حملات التشويه التي استهدفت فتح وكوادرها الا أنها لازالت الاولى في نوايا التصويت ما يؤكد أن الشعب الفلسطيني يثق في وطنية قيادته وليدة منظمة التحرير الفلسطيني الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني رغم العثرات الكثيرة التي تفرضها السياسية باعتبارها فن الممكن.
وفيما يستعدّ الجيل القادم في الحركة الوطنية الفلسطينية لتولّي زمام الأمور، تساءل تقرير معهد كارنيغي: هل ستقوم القيادة الجديدة بضخّ جرعةٍ جديدةٍ من العنفوان والحيوية في المؤسسات التي أصابها الضّمور؟.
أليس من الممكن أن تؤدّي صحوة الإرادة الشعبية لتحقيق الوحدة الفلسطينية إلى إرغام الفصائل على معالجة ما يفصل بينها من فجواتٍ جغرافيةٍ وسياسيةٍ؟.
ألن تستطيع مقاربةٌ "من الخارج"، للنّزاع، تكون الدول العربية فيها مشاركةً في المفاوضات، أن تنفح أملًا في عملية السّلام التي دخلت مرحلة الاحتضار؟.
إنّ الإجابات على هذه التساؤلات، هي التي تشكّل جوهر مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية.









