ها هي الإدارة الأمريكية تقرر الانسحاب من أفغانستان نهائيًا، رغم دعوات لبقاء القوات في بلد يشهد صراعات مستمرة، ورغم أن عدد القوات الأمريكية الباقية في أفغانستان ليس بالعدد الضخم مقارنة بسنوات سابقة، إذ تقدره الولايات المتحدة بنحو 2500 جندي، ضمن قوات حلف شمال الأطلسي البالغة 9600 جندي، يبدو أن واشنطن أحبطت من تحقيق نتائج حقيقية لها على الأرض.
لم يتبقى على 11 سبتمبر سوى عدة أشهر، وهو الموعد المحدد لانسحاب كل القوات، بعد تكلفة كبيرة سواء من الجنود الذين يقدروا بنحو 2448 جندي أمريكي، غير الأمريكيين من المدنيين، وبتكاليف مالية تتخطى نحو تريليوني دولار.
ورغم أن أفغانستان كانت إحدى مواقع الصراع في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا، بعد الغزو السوفييتي لأفغانستان، ودعم واشنطن ودول إسلامية للمليشيات في أفغانستان بالمال والسلاح لقتال السوفييت بحجج أيدلوجية، حتى خرجوا عام 1989، لتسيطر فيما بعد التنظيمات الصراع على الدولة في عقد التسعينات.
الرؤية الأمريكية:
بدأت الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، استهداف تنظيم القاعدة، وتدخلت عسكريًا في أفغانستان لكن الصراع لم ينتهي، واستمرت التنظيمات المسلحة وعلى رأسها "طالبان" و"القاعدة" تواجه القوات الأمريكية بطرق غير نظامية، وهو أسلوب غير متكافئ عسكريًا، واستمر الأمر هكذا.
واستطاعت الولايات المتحدة بعد 10 سنوات تحقيق إحدى أهدافها بقتل "أسامة بن لادن"، لكن يبدو أن واشنطن لم تحقق كل ما تريد، حيث راود الانسحاب الرؤساء "باراك أوباما"، و"دونالد ترامب"، والرئيس الحالي "جو بايدن".
ومع قدوم "بايدن" أجل الانسحاب الكامل لشهور، وقلل من التطلعات الأمريكية السابقة بـ"تحقيق وحدة أفغانستان"، ورغم اعتبار الانسحاب فشل في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، رأى "بايدن" أن الاستمرار لن يفيد كثيرًا، ومن الممكن مساعدة أفغانستان، لكن بشكل غير عسكري.
اتفاق طالبان- واشنطن:
بدأ الرئيس "ترامب" عام 2018 التفاوض مع حركة طالبان، في إطار سعيه للانسحاب العسكري، خاصة مع التكلفة المالية والعسكرية، وتغير توجه الإدارة الأمريكية من الشرق الأوسط وصراعاته، إلى آسيا حيث الصين، وفشل الإدارة الأمريكية في دعم حكومة قوية تسيطر على الدولة الأفغانية، وسيطرة حركة طالبان على أكثر من 60٪ من أفغانستان.
وبدأ العمل على مفاوضات من أجل الانسحاب، لكن طالبان من خلال تلك المفاوضات دعمت شرعيتها، ومع التوصل إلى اتفاق في 2020 اعتبرت نفسها المنتصرة في ذلك الصراع، وتضمن الاتفاق الأمريكي مع طالبان، أطر تنظيمية للمرحلة الجديدة، أبرزها:
1. الأمن الأمريكي: ضمان منع استخدام أراضي أفغانستان من أي جماعات أو أفراد لتهديد أمن الولايات المتحدة وحلفائها، وتهدف الولايات المتحدة هنا إلى عدم تعاون طالبان مع تنظيم القاعدة، أو تعاون طالبان مع تنظيمات إرهابية أخرى.
2. الانسحاب الأمريكي: وجود آلية لانسحاب كل القوات الأجنبية من أفغانستان، وسحب القوات الأمريكية وكل قوات التحالف في 2021، وهنا ضمنت طالبان سيطرتها على أفغانستان بعد الخروج.
3. التفاوض الداخلي: تبدأ طالبان مفاوضات سلام مع حكومة أفغانستان، منذ مارس 2021، وبعد الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية، في مقابل تبادل سجناء بين الحكومة والحركة.
4. العقوبات الأمريكية والدولية على طالبان: تراجع الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على حركة طالبان، والعمل على مراجعة العقوبات الدولية التي فرضها مجلس الأمن على طالبان.
ويبدو من تلك النقاط أن الإدارة الأمريكية في مقابل انسحابها ستعطي الكثير للحركة التي تصنفها إرهابية، فربما تغيرت الخطة الأمريكية، أو اُعيد التقييم وتوصل الخبراء إلى عدم تحقيق جديد في ذلك الملف.
أثر الانسحاب الأمريكي على أفغانستان:
على ما يبدو سيظل الملف الأفغاني شائكًا، ولن يقوم أحدًا بدور الولايات المتحدة في الصراع، كما فعلت واشنطن في آخر 20 سنة، لكن هناك قوى إقليمية سيكون لها دور كبير في الصراع القادم، الذي قد يزداد فوضى، وقد يبدو ذلك في توجهات دول الإقليم المجاور والقوى المتنافسة مع الولايات المتحدة، ويمكن استعراضهم كما يلي:
روسيا:
تعتبر روسيا تأثير قرار الانسحاب الأمريكي من أفغانستان ضئيل على الوضع الميداني، وكانت روسيا تدعم حتى عام 2015، القوات الأمريكية ضد طالبان، لكن الأمر تغير بعدها، وقد يكون تنظيم داعش وتحركاته في المنطقة إحدى الأسباب، لكن الصدام الغربي مع روسيا وفرض عقوبات عليها بعد ضم جزيرة القرم عام 2014، كان السبب الأبرز في إطار نفوذ القوى الكبرى.
الصين:
تعمل الصين على الاستفادة من الأوضاع سواء بانسحاب القوات الأمريكية أو بقائها، فمع التواجد الأمريكي كانت هناك سيطرة أمنية على أفغانستان، ومع الرحيل الأمريكي يمكن توسيع نفوذها هناك.
وتريد الصين وقف الاتصال بين حركة طالبان، والإيغور الساعية للاستقلال عن الصين، كما أن باكستان مهمة لبكين في مشروعها "الحزام والطريق"، فضلًا عن الاستثمار الصيني في أفغانستان.
إيران:
يُقلق إيران أي تواجد عسكري أمريكي في المنطقة، لكنها لا تريد أن تسيطر طالبان، وتدعم إيران حلفائها الشعية الهزارية والطاجيك في أفغانستان.
ورغم أن طهران من المرحبين بإسقاط واشنطن نظام طالبان في عام 2001، لكنها خلال السنوات الماضية عملت على علاقات أفضل مع طالبان، خاصة مع صعود تنظيم داعش، وفي محاولة إيرانية لضبط الحدود الممتدة مع أفغانستان، والتي تسيطر على بعضها طالبان، وقد يمثل محاولة التقارب الإيراني الأخير خلق دور مستقبلي في أفغانستان مع أي تغيرات.
الهند:
الهند إحدى اللاعبين في الملف الأفغاني، وحققت الهند نفوذًا أكبر في أفغانستان منذ إطاحة واشنطن بنظام طالبان، وسعت الهند إلى تطوير علاقة شراكة مستقرة مع نظام ما بعد طالبان، لكنها لم تكن من المرحبين بتوقيع اتفاق واشنطن طالبان.
باكستان:
وفرت باكستان الأسلحة والدعم الاستخباري لحركة طالبان منذ التسعينات، وكانت واحدة ممن اعترفوا بحكومة طالبان عام 1996، ومع سقوطهم عام 2001، كانت الملجأ للعديد من قادة الحركة.
وتريد باكستان أن يكون للحركة الأفغانية دورًا أكبر في حكم أفغانستان، فلها مشكلة حدودية وقومية تربط طالبان بباكستان قد يخفف وصول طالبان للحكم من أزمات داخلية، كما تعد أفغانستان نقطة تنافس على النفوذ بين الهند وباكستان.
الداخل الأفغاني:
ستترك سحب القوات الأمريكية الحكومة الأفغانية، بقيادة "أشرف غني"، لتسيطر عليها الميليشيات، ويبدو من الصعوبة مواجهة الحكومة الأفغانية لحركة طالبان، فالجيش الأفغاني التابع للحكومة يعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة في الجوانب المالية والعسكرية.
وهنا الأزمة لا تتعلق بحركة طالبان وحدها، لكن هناك تنظيمات أخرى، وإن كانت طالبان الأكثر سيطرة ونفوذ، ويبدو أن الانسحاب الأمريكي سيعطي تلك المجموعات الإرهابية الفرصة لتمددهم، ومن هذه التنظيمات داعش.
***
سيؤدي الانسحاب الكامل لقوات حلف الناتو وعلى رأسها القوات الأمريكية ربما إلى صراع أكبر فيه قوى متنافسة أكبرها تنظيم عقائدي ضد دولة فاشلة ضعيفة لا تستطيع احتكار وسائل القوة، وما سيزيد الأمر سوءًا أن دول الإقليم سيكون لها المجال في الصراع على النفوذ بدعم قوى إرهابية، أو على الأقل غير عابئة بفكرة دعم دولة أفغانستان.
ومع انسحاب واشنطن في رؤية منها يائسة للمشهد في أفغانستان، وإن كانت الحسابات المنطقية قد تكون صحيحة، إلا أن عدم تحقيق الأهداف الاستراتيجية لم يكن قرارًا أمريكيًا فقط، بل في إطار منظومة دولية هشة، وصراع قوى إقليمية على كل صراع، وقد شهدت السنوات الماضية ما يمكن هذا الصراع في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط، لكن يبقى النموذج الأفغاني ربما هو الأسوأ حالًا، فلعبة الصراع تعقد الأمر في كل تحرك جديد أكثر منذ قبل.









