لم يعد كثير من اللبنانيين ينظرون إلى ما يجري في بلادهم بوصفه جولة تصعيد أخرى في صراع طويل مع إسرائيل، بل باعتباره حربًا جُرّ إليها لبنان في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، من دون أن يكون للدولة اللبنانية قرار فعلي في توقيتها أو مسارها.
وهذا الشعور، الذي كان يُعبَّر عنه سابقًا بحذر وبصوت خافت، بات اليوم أكثر حضورًا في الشارع وعلى منصات التواصل وفي مواقف عدد من السياسيين، في وقت يبدو فيه البلد أقرب إلى أزمة مفتوحة منه إلى تهدئة قريبة.
فمنذ أن شنّ حزب الله هجومه على إسرائيل في 2 مارس/آذار، قائلًا إنه جاء ردًا على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، دخل لبنان موجة جديدة من الضربات الإسرائيلية الواسعة، من الجنوب إلى البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، وصولًا إلى مناطق في العاصمة ومحيطها. وتشير أحدث التقديرات في التغطيات الدولية إلى أن عدد النازحين تجاوز 800 ألف شخص، فيما ارتفعت حصيلة القتلى إلى أكثر من 800، مع استمرار الغارات الاسرائيلية وتوسع رقعتها.
ويرى كثير من اللبنانيين أن الكلفة التي يدفعها البلد ليست نتيجة قرار وطني جامع، بل ثمرة خطوة اتخذها حزب الله بمعزل عن مؤسسات الدولة.
وقد عكست تقارير ميدانية لوكالة أسوشييتد برس ووكالة فرانس برس هذا المزاج من خلال شهادات لنازحين ومقيمين تحدثوا عن حرب “لم يردها أحد”، وعن شعور متصاعد بأن المجتمع، وخصوصًا داخل البيئة الشيعية نفسها، يدفع ثمن مواجهة لا يملك قرارها.
واللافت أن هذا الغضب لم يعد محصورًا في البيئات السياسية المعارضة تقليديًا لحزب الله، بل امتد إلى أصوات من داخل الحاضنة الشيعية، وإن بقي التعبير عنه متفاوتًا ومحكومًا أحيانًا بالخوف من الكلفة الاجتماعية أو السياسية.
وتقول تقارير دولية إن الانتقادات العلنية للحزب اتسعت مقارنة بمراحل سابقة، حتى لو ظل جزء من هذا الاعتراض مكتومًا أو محدود الظهور.
في المقابل، يحاول حزب الله تقديم عملياته على أنها دفاع عن لبنان في مواجهة ما يقول إنها انتهاكات إسرائيلية مستمرة، لا مجرد امتداد مباشر للحرب المرتبطة بإيران.
لكن هذا الخطاب لا يبدو مقنعًا لشريحة متزايدة من اللبنانيين، الذين يرون أن توقيت الهجوم وسياقه الإقليمي يجعلان من الصعب فصل ما يجري في لبنان عن المواجهة الأوسع في المنطقة.
وعلى المستوى الرسمي، حاولت الدولة اللبنانية استثمار الغضب الداخلي لإعادة تثبيت فكرة حصرية قرار الحرب والسلاح بيد الدولة.
وأعلنت الحكومة اللبنانية حظر الأنشطة العسكرية لحزب الله، في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة في دلالتها السياسية، حتى وإن ظلت قدرتها التنفيذية محدودة على الأرض في ظل موازين القوى القائمة.
كما طرح الرئيس جوزيف عون مقاربة تقوم على وقف شامل لإطلاق النار يفتح الباب أمام مسار تفاوضي أوسع، مع تعزيز دور الدولة والجيش في إدارة المرحلة المقبلة. لكن هذا التوجه اصطدم حتى الآن ببرود إسرائيلي وأميركي، إذ تشير تقارير رويترز إلى أن مسؤولين في تل أبيب وواشنطن يشككون في قدرة الحكومة اللبنانية على كبح حزب الله أو فرض وقائع جديدة ما دامت الهجمات تنطلق من الأراضي اللبنانية.
وفي هذا المأزق المزدوج، تبدو صورة لبنان شديدة القسوة: حزب لا يُظهر استعدادًا واضحًا للتراجع، ودولة لا تملك أدوات حاسمة لفرض قرارها، ومجتمع دولي يربط أي مسار تهدئة بخطوات لبنانية يصعب تنفيذها سريعًا.
وبين هذه المستويات كلها، يعلّق كثير من اللبنانيين آمالهم على ضغط داخلي يُعيد ترسيخ مبدأ حصرية السلاح، وضغط خارجي يفرض وقفًا لإطلاق النار يقدّم مصلحة الدولة اللبنانية على حسابات المحاور.
لكن بين الأمل والواقع، يبقى البلد عالقًا في مساحة لا يملك فيها قرار حربه كاملًا ولا قرار سلمه كاملًا، فيما تتآكل بناه التحتية، وتتحول المدارس إلى مراكز إيواء، وتزداد حركة النزوح اتساعًا، من دون أي ضمانة واضحة بأن تكون النهاية قريبة أو أقل كلفة مما يعيشه اللبنانيون الآن.



