لا تقف تداعيات الحرب الدائرة في لبنان عند حدود الغارات والضحايا وموجات النزوح، بل تمتد أيضًا إلى الداخل الاجتماعي في بلد يقوم أصلًا على توازن طائفي هش. 

ومع اتساع حركة النزوح من الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق الجنوب والبقاع، بدأت في عدد من مناطق الاستقبال تظهر مؤشرات على توتر محلي يتجاوز مسألة الإيواء والخدمات، ويعكس قلقًا متزايدًا من أن تتحول الأزمة الإنسانية إلى احتكاك أهلي أوسع.

وفيما تتعالى أصوات في بيروت تطالب الدولة بتطبيق قرار حصرية السلاح ومنع أي نشاط عسكري خارج الإطار الرسمي، ترتفع في الجهة المقابلة أصوات تحذر من خطر الانزلاق إلى حرب أهلية إذا جرت محاولة وقف نشاط حزب الله العسكري بالقوة.

وتقول الأمم المتحدة إن نحو 700 ألف شخص اضطروا إلى مغادرة منازلهم خلال الأسبوع الأول من الجولة الحالية، فيما تحدثت رويترز لاحقًا عن أكثر من 800 ألف نازح مع استمرار الضربات واتساع أوامر الإخلاء. 

وفي هذا الواقع، امتلأت مراكز الإيواء والمدارس والملاعب، بينما لجأت عائلات أخرى إلى الساحات العامة والأقارب والمباني غير المهيأة للسكن، ما زاد الضغط على مناطق الاستقبال والبنية التحتية الهشة أصلًا.

وفي موازاة العبء الإنساني، تشير تقارير ميدانية وشهادات محلية الى بروز مواقف أكثر حدة تجاه حزب الله والبيئة المرتبطة به. 

ففي حي عائشة بكار في بيروت، نقلت تقارير صحفية عن سكان قولهم إن غضبهم بعد الغارات لم يقتصر على إسرائيل، بل امتد أيضًا إلى حزب الله، الذي يتهمه منتقدون بجر البلاد إلى جولة جديدة من الحرب. ونقلت وكالة فرانس برس عن سيدة مطالبتها بتسليم سلاح الحزب إلى الدولة، بينما تحدث آخرون عن “حرب إضافية” يدفع اللبنانيون ثمنها.

كما أظهرت تقارير ميدانية من مناطق تستقبل نازحين أن بعض البلديات والمدارس شددت إجراءاتها التنظيمية، من تسجيل الوافدين ومراقبة الزيارات إلى منع رفع الشعارات الحزبية أو تشغيل الأناشيد السياسية داخل مراكز الإيواء، في محاولة لتفادي الاحتكاك بين الشبان واحتواء مناخ القلق المتصاعد. 

وفي جونية، قال مسؤولون محليون لصحيفة “لوموند” إن هذه الإجراءات جاءت لمنع التوتر، فيما تحدثت بلديات أخرى عن حالة من الريبة والهلع بعد الضربات الأخيرة.

وليس هذا المناخ جديدًا بالكامل. فقد وثقت رويترز خلال حرب 2024 كيف أعاد النزوح الجماعي من المناطق ذات الغالبية الشيعية إلى مناطق سنية ومسيحية ودروزية إحياء هواجس قديمة مرتبطة بالحرب الأهلية، مع شكاوى من الضغط على المدارس والمباني والأحياء السكنية، ومخاوف من وجود عناصر مسلحة بين النازحين، ونزاعات محلية على استخدام بعض المواقع. 

كما نقلت الوكالة آنذاك تحذيرات من سياسيين ومسؤولين أمميين من أن أي صدمة كبيرة قد تدفع لبنان إلى مزيد من الهشاشة.

ونقلت أسوشييتد برس هذا الأسبوع عن نازحين ومنتقدين من داخل البيئة الشيعية نفسها قولهم إن الناس لم يتعافوا أصلًا من آثار الحرب السابقة، وإن كثيرين باتوا يحمّلون حزب الله مسؤولية إدخال البلاد في مواجهة جديدة. 

كما تحدثت تقارير أخرى عن أن بعض المنتقدين ما زالوا يفضلون الصمت خوفًا من الكلفة الاجتماعية والسياسية لانتقاد الحزب علنًا.

وتعيد هذه المؤشرات طرح مخاوف قديمة في لبنان من أن يتحول النزوح، إذا طال أمده وتواصل القصف، إلى عامل إضافي في تعميق الانقسام الداخلي. 

فإلى جانب الجبهة العسكرية المفتوحة، تتشكل في الخلفية جبهة اجتماعية أكثر هشاشة، تختلط فيها ضغوط الحرب بالغضب السياسي والذاكرة الطائفية، في بلد لم يتعاف بعد من أزماته المتراكمة.